يكفي "احتكاكٌ بسيط" على الطريق حتى ينفجر شجار، أو "انتظار طويل في طابور" حتى تتصاعد التأففات التي تصل بسرعة ملحوظة إلى مرحلة الشتائم. شبابٌ يشكون التعب رغم صغر سنهم، آخرون لا ينامون جيدًا، وكثيرون لا يعرفون ماذا ينتظرهم في المستقبل، ولا أين سيكونون بعد سنوات قليلة. ليست هذه المشاهد جديدة على اللبنانيين، لكن تكرارها وزيادتها يطرحان سؤالًا أبعد من العصبية اليومية. ماذا فعلت سنواتٌ من الانهيار الاقتصادي والاضطراب السياسي والحروب والأزمات المتلاحقة بالصحة النفسية للشباب اللبناني؟ وهل انتقل جزءٌ من هذا الجيل من التفكير في بناء مستقبله إلى محاولة عبور يومه فحسب؟ قد تعطي الأرقام جزءًا من الإجابة. ففي دراسة نشرتها مجلة "BMC Public Health" عام 2025، وشملت 1024 طالبًا في سنتهم الجامعية الأولى في عدد من الجامعات اللبنانية خلال العام الدراسي 2023-2024، أظهرت أن 64.3 في المئة منهم يعانون ضيقًا نفسيًا، فيما أفاد 33.2 في المئة بالشعور باليأس، و31.7 في المئة باضطرابات في النوم، و27.9 في المئة بالشعور بأن الضغوط تفوق قدرتهم على الاحتمال. وإذا كانت هذه المؤشرات قد سُجلت في 2023-2024، فماذا عن جيل عاش منذ 2019 انهيارًا اقتصاديًا وأزمات سياسية وأمنية متلاحقة، قبل أن يواجه حربًا جديدة في العام الحالي وتداعياتها المستمرّة؟ "جاد"، 24 عامًا) محاسب في شركة(، لم تكن العصبية والغضب يومًا من طباعه، لكنه بات يلاحظ "تبدّل ردود أفعاله وسرعة انفعاله". يعزو ذلك إلى "ضغوط الحياة واضطراره إلى العمل لساعات إضافية" لمساعدة أهله في مصاريف المنزل التي ارتفع بعضها إلى أضعاف ما كان عليه. ما يختبره "جاد" تضعه الدكتورة في علم النفس هيام علاء الدين في إطار أوسع، إذ ترى في حديثها لـ "ليبانون ديبايت" أن الشباب اللبناني يعيش "واحدة من أعقد المراحل النفسية والاجتماعية في تاريخه الحديث"، حيث يتداخل الضغط النفسي مع الانهيار الاقتصادي والشلل السياسي والأحداث الأمنية المتكررة وغياب الرؤية المستقبلية، فيما تتكرر الأزمات من دون أن تتاح للشباب فترة كافية للتعافي. ويظهر هذا الاستنزاف في تفاصيل الحياة اليومية: تعبٌ جسدي ونفسي، اضطرابات في النوم، صعوبة في التركيز، سرعة في الانفعال، وصولًا إلى الانسحاب الاجتماعي وفقدان الشغف بالهوايات والأنشطة. ثمّة مؤشّر آخر قد يبدو مناقضًا للقلق: "اللامبالاة". فبحسب علاء الدين، قد يؤدي التعرّض المتكرّر للأزمات إلى نوع من "التخدير العاطفي"، بحيث تصبح الأخبار الضاغطة حدثًا عاديًا يُقابل بتفاعل محدود أو بسخرية مفرطة بوصفها آلية دفاع نفسية. ما يقوله "جاد"، ويؤيده فيه رفاقه في العمل عن "تبدّل طباعهم"، يجد صداه بصورة أوسع في الشارع. زمور سيارة، خلاف على أفضلية المرور أو انتظار أمام مؤسسة، مواقف قد تتحول خلال ثوانٍ إلى صراخ أو شجار. تُفسر علاء الدين ذلك، بأن "الإنسان المنشغل بتأمين احتياجاته، والذي يعاني أصلًا القلق أو قلة النوم، يصبح أكثر حساسية للمواقف اليومية، وقد يتحوّل احتكاكٌ صغير إلى مواجهة أكبر من حجمه، فيما ينتقل الغضب من مصدره الحقيقي، كالشعور بالعجز أو الظلم، إلى الأسرة أو الأصدقاء أو الزملاء أو الغرباء على الطريق". وتلحظ هنا استنزاف القدرة على "الضبط الذاتي"، إذ تُستهلك الطاقة النفسية والذهنية في مواجهة الأزمات المعيشية، فتتراجع القدرة على تحمّل ضغوط إضافية. كما قد يبقى الجهاز العصبي في حالة استنفار تجعل احتكاكًا عابرًا يُقرأ كأنه تهديد، ليصبح الشارع أحيانًا "مساحة لتفريغ إحباط" مصدره أزمات أكبر يشعر الفرد بأنه عاجز عن تغييرها. أما "حنان" 20 عامًا (طالبة جامعية)، فتختصر علاقتها بالمستقبل بعبارة: "كل شيء في لبنان مؤجل". تقول إنها وأبناء جيلها "يعيشون يومًا بيوم"، حتى إن الزواج يبدو حلمًا تصطدم به تكاليف شراء منزل أو استئجاره وسائر أعباء الحياة، حتى لو كان الشريكان يعملان. ما تصفه يلتقي مع ما تسميه علاء الدين "Survival Mode" أو "مرحلة البقاء"، إذ يصبح الاهتمام منصبًا على تأمين الاحتياجات الأساسية، من الدخل والكهرباء والدواء إلى الأمان، فيما تؤجل المشاريع طويلة الأمد كالزواج وتأسيس الأسرة وشراء المنزل ومتابعة الدراسة. لا تقف المشكلة عند الجانب المادي، إذ إن غياب الأفق والاستقرار يمكن، بحسب علاء الدين، أن يغذي مشاعر العجز والاكتئاب ويؤثر في علاقة الفرد بمجتمعه. أما "ربيع" 34 عامًا، (موظف في مصرف)، فلا تغيب الهجرة عن باله. لا يبحث عن دولة بعينها بقدر ما يريد الرحيل، لكن والديه المسنين في لبنان يحولان حتى هذا الحلم إلى مصدر قلق: "من سيهتم بهما إذا غادرت؟". كما أن الرحيل، بالنسبة إليه، لن ينهي الأعباء المالية، بل سيعني مصاريف حياة في الخارج بالتوازي مع الاستمرار في مساعدة والديه في لبنان. وهكذا يجد نفسه بين قلق البقاء وقلق الرحيل. ربما ل