ميزانية عمومية، وبودكاست، والسؤال المزعج: من المستفيد في نهاية المطاف من آخر أصول مصرف لبنان الكبرى؟ اكتشف لبنان فرعاً جديداً من علم الاقتصاد: الملكية عبر البودكاست. ففي حلقة حديثة، طرح مقدّم برنامج سؤالاً حول ما إذا كان الذهب المدرج كأصل في ميزانية مصرف لبنان يعود إلى المصرف المركزي أم إلى الدولة اللبنانية؟ وخلص الضيف إلى أنه يعود إلى الدولة. ويبدو، على هذا الأساس، أن الميزانيات العمومية باتت مجرد عناصر للزينة، أشبه بوسائد موضوعة في صالون بيروتي: معروضة في مكان بارز، يُعاد ترتيبها باستمرار، ولكن لا يُفترض إطلاقاً أن تؤخذ على محمل الجد. يمتلك لبنان نحو 286 طناً من الذهب. وبعد الارتفاع في أسعار الذهب، يُرجّح أن يكون هذا الاحتياطي اليوم أهم شبكة أمان مالية يمتلكها البلد. إلا أن الإجابة ليست ببساطة: "الذهب ملك الدولة" أم "الذهب ملك المصرف المركزي"؟ فالسؤال الأكثر عملية هو: عندما يحين موعد دفع الفواتير في نهاية المطاف، من ينبغي أن يستفيد أولاً من هذا الذهب؟ تتداول حالياً أفكار ونظريات كثيرة حول الوضع القانوني لاحتياطي الذهب وكيفية استخدامه: هل يعود إلى المصرف المركزي أم إلى الدولة؟ وهل ينبغي استخدامه للمساهمة في إعادة إعمار الجنوب أم لتسديد أموال المودعين؟ لكن نقطة الانطلاق لا يمكن أن تكون التمنيات، بل الشرعية القانونية. ولذلك، يجب البدء من تحديد الوضع القانوني لمصرف لبنان ولاحتياطي الذهب. احتياطي الذهب هو أحد أصول المصرف المركزي، وهو مدرج في ميزانيته العمومية. أما المصرف المركزي، فهو في حالة تعثّر حيال دائنيه، أي المصارف التجارية اللبنانية وبعض المصارف الأجنبية المرخّصة في لبنان، التي أودعت أموالاً لديه ولم تتمكن من استردادها. وباستثناء الاحتياطات الإلزامية، تبلغ ديون المصرف المركزي للمصارف التجارية، وبالتالي بصورة غير مباشرة للمودعين، نحو 78 مليار دولار. ويتمتع المصرف المركزي بحصانات قوية بموجب القوانين الأميركية والبريطانية وقوانين دول أخرى عندما يتعلق الأمر بديون الدولة اللبنانية. وبعبارة أخرى، لا يستطيع دائن للدولة، في العادة، تنفيذ دينه على أصول المصرف المركزي، بما فيها احتياطي الذهب. لكن المصرف المركزي لا يتمتع بالحصانات نفسها، أو بأي حصانات قوية مماثلة، عندما يتعلق الأمر بالتزاماته وديونه الخاصة حيال دائنيه. أما وجود قانون يقيّد بيع الذهب أو استخدامه، فلا يغيّر ملكية هذا الأصل، كما أنه لا يشكّل بالضرورة دفاعاً صالحاً في مواجهة دائني المصرف المركزي. وبناءً عليه، لا يمكن استخدام الذهب أو احتياطي الذهب، من حيث المبدأ، إلا في غرضين: 1. دعم استمرارية عمل المصرف المركزي من خلال تعزيز ميزانيته وتمكينه من ممارسة وظائفه الطبيعية كمصرف مركزي. 2. استخدامه لتغطية جزء من التزامات المصرف المركزي نفسه، أي ديونه. عندما تكون مؤسسة ما في حالة تعثّر، تكون أصولها في المقام الأول متاحة للوفاء بالتزاماتها. وأي استخدام آخر لهذه الأصول، بما في ذلك استخدامها من جانب مالك المؤسسة، أي الدولة اللبنانية في هذه الحالة، قد يؤدي إلى نشوء مطالبات إضافية ضد المصرف المركزي على أساس ما يعرف قانونياً بـ"النقل الاحتيالي للأصول" (Fraudulent Conveyance) أو الإضرار بالدائنين، أي إخراج أصول من دائرة الضمان العام المتاح لهم. كما أن استخدام الذهب لأي غرض آخر غير الغرضين المذكورين من شأنه أن يضعف استقلالية مصرف لبنان واستقلاله المؤسسي، وقد يعرّضه لمطالبات تتعلق بسداد ديون الدولة، ومنها سندات اليوروبوند. فكلما تم تقويض استقلالية المصرف المركزي عن الدولة، ازداد خطر تعريضه لمطالبات محتملة مرتبطة بديون الدولة. وبلغة بسيطة: قد تملك شركةٌ أم شركةً أخرى، لكن ذلك لا يعطي الشركة الأم الحق في إفراغ خزنة الشركة التابعة وترك دائنيها من دون سداد. لدى لبنان قانون صدر عام 1986 يمنع بيع الذهب من دون موافقة مجلس النواب. وقد وُضع هذا القانون أساساً لمنع السياسيين في البلاد من التعامل مع خزينة الذهب كما لو كانت صندوقاً نقدياً للطوارئ يمكن اللجوء إليه متى دعت الحاجة. وبإمكان مجلس النواب تعديل القانون، لكن إلى أن يفعل ذلك، لا تستطيع الحكومة ولا المصرف المركزي ببساطة بيع الذهب أو رهنه. وهناك تفصيل آخر لا يقل إحراجاً. فالدولة اللبنانية ليست مجرد مالكة لمصرف لبنان، بل هي أيضاً أكبر مدين له. وقد قدّر حاكم مصرف لبنان كريم سعيد التزامات الدولة حيال المصرف المركزي بما يصل إلى نحو 60 مليار دولار. ولا يزال الرقم النهائي بحاجة إلى تسوية مع وزارة المال، لكن النقطة الأساسية واضحة: الدولة مدينة لمصرف لبنان. ولا تستطيع الدولة إلغاء هذا الدين بمجرد إعلان أن أهم أصول مصرف لبنان كان، في الحقيقة، ملكاً للدولة منذ البداية. ولو كانت نظرية البودكاست بهذه البساطة، لكان لبنان قد اكتشف