بعد ثلاثة أعوام على إعلان أمين عام "حزب الله" السيد حسن نصرالله حرب مساندة حركة "حماس" في غزة تتزايد التساؤلات حول خلفيّات هذا القرار نتيجة الهزائم التي تعرّض لها "الحزب" وكأنّ هناك تحميل مسؤولية لنصرالله بصورة مباشرة مع الإقرار بأنّه ارتكب خطأ قاتلا كلّفه حياته ودمّر حزبه ويكاد يقضي على ما تبقّى منه وعلى ما راكمه من حشد داخل بيئته من دون أن يكون هناك أي قرار بوقف هذا الانهيار. لا أحد في "حزب الله" أو بين من يدورون في فلكه، يجرؤ على القول إن نصرالله أخطأ في القرار الذي اتخذه في 7 تشرين الأول 2023. ولكن ما يقال حول هذا القرار يكاد يصل إلى حد الإدانة والحكم عليه وإن كان يقال في معرض التبرير. مثالا على ذلك، ثمة من يقول إنّه ما كان يمكنه إلا أن يساند "حماس" وغزة لأنّه كان أعلن مرارًا عن وحدة الساحات فكيف لا يكون متدخّلا في هذه الحرب وهو الذي يعتبر أنّه قائد هذا المحور بتكليف من المركز في إيران. وثمة من يقول، إنّه ما كان يستطيع أن يتخلّف عن إعلان هذه الحرب، لأنّه لا يمكنه أن يقف في مواجهة التاريخ، إذا سئل في الآخرة عن سبب إحجامه عن دعم الشعب الفلسطيني وهو الذي يضع قضية فلسطين وتحريرها في رأس أولوياته. وثمة من يعتبر أنّه كانت لديه معطيات عن أن إسرائيل كانت ستقوم بشنّ الحرب حتى لو لم تقم "حماس" بعملية طوفان الأقصى وأنّه من خلال حرب المساندة كان يريد أن يحبط الخطط الإسرائيلية. في الواقع، ورّط قرار نصرالله حزبه في حرب لا يستطيع الخروج منها. وفي الواقع أيضًا أنّ هذا القرار لا يمكن تحميله لنصرالله وحده لأنّه في النتيجة هو ينفذ أوامر القيادة في طهران لأنّها تبقى قائدة المحور والحرب في كل ساحاتها، من غزة إلى لبنان والعراق وسوريا واليمن وغيرها. حجم الخسائر التي تعرّض لها "الحزب" يطرح السؤال حول ما إذا كان نصرالله أخطأ أم لا ولكن في النتيجة لا يستطيع "الحزب" أن يخرج من هذا القرار وكأن نصرالله أسره فيه في حياته وفي موته. نصرالله بنفسه أدرك أكثر من مرة أنّه أخطا ولكنّه كان أيضًا يبحث عن التبريرات، ولكن لم تكن لديه أجوبة مقنعة وإن كانت الجماعة التي يمثلها وتمشي وراءه لا تسأله ولا تريد أن تحاسبه. عندما بدأت إسرائيل عمليات الاغتيال أيقن نصرالله أنّه وقع في ورطة ولكنّه لم يقدِّر في البداية حجم الاختراق الإسرائيلي ولا حجم التفوّق وهو الذي كان حتى يوم 6 تشرين الأول 2023 يبني سردياته على شعارات التفوّق على إسرائيل وعلى أنّه حقّق توازن الردع وتجاوزه إلى الردع وعلى أساس أنّ إسرائيل باتت تخاف منه ومن سلاحه ومسيَّراته وصواريخه. في الواقع أيضًا أنّ نصرالله لم يكن يعلم فعلا هذه المرة بقرار الحرب التي بدأتها "حماس" بقيادة يحيى السنوار. ولذلك اختار أن لا يغامر بحرب واسعة واكتفى بحرب المساندة. وهو في ذلك الخيار كان في مرحلة مختلفة عن حرب تموز 2006 عندما قال بعدها إنه لو كان يعلم نتائجها ما كان افتعلها. ففي تلك الحرب كان هو من اتخذ قرار تنفيذ عملية أسر الجنديين الإسرائيليين من داخل منطقة السيطرة الإسرائيلية بينما هذه المرة فاجأه السنوار بهذه الحرب التي لم يعرف كيف سيتعامل معها. وهي من المرات القليلة التي لم يكن نصرالله يملك فيها زمام المبادرة. فهو لم يفهم لماذا أقدم السنوار على هذه العملية. وهو يدرك أن حجم الخسائر التي أوقعها في عدوّه الإسرائيلي كبير ولا يمكنه إلا أن يفرح بها ولكنّه في الوقت نفسه، كان يخشى من النتائج التي قد تنجم عنها لسبب بسيط، وهو أنّه لم تكن هناك خطة منسّقة معه، ولم يكن في جوّ القرار، ولم يكن "الحزب" قد اتخذ أي تدابير للوقاية من الرد الإسرائيلي، ولسبب وجيه أيضًا وهو أنّه لم تكن هناك خطة عمليات لليوم التالي. السؤال الأساسي كان: ما هي الخطوة التالية التي قرّرها السنوار؟ ما هو حجم الرد الإسرائيلي؟ ما هو دور "حزب الله" في هذه العملية كلها؟ هل إذا تورّط "الحزب" بإعلان حرب شاملة يكون يورِّط إيران أيضًا وهي غير مستعدة لهذه الحرب وبطبيعة الحال فهي مثل نصرالله لم تكن على علم مسبق بما خطط له السنوار. عمل "حزب الله" مع إيران على بناء استراتيجة التفوّق والردع ضد إسرائيل على مدى أعوام ولكن ظهر أن هذه الخطة كانت مجرد أوهام. في المقابل، عمل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع أجهزة مخابراته على تثبيت مثل هذه النظرية والإيحاء أن إسرائيل خائفة ومرعوبة وعاجزة عن الردّ حتى على نصب خيمة لـ"الحزب" داخل مزارع شبعا. تصرّف نتيناهو على قاعدة أنّ من أراد أن يخدعك وانخدعت له فقد خدعته. وهكذا بعد 8 تشرين الأول 2023 ظهرت قوة هذه الخديعة الإسرائيلية وظهرت في المقابل قوة الانخداع لدى "حزب الله" وإيران وسائر قوى المحور. وظهر أيضًا أنّه في موازاة عدم وجود خطة لما بعد 7 تشرين الأول 2023 لدى هذا المحور، كانت هناك خطة عمليات مفصّلة بالأهداف والتواريخ لدى إسرائيل،