تحلّ الذكرى الثالثة لحرب 7 أكتوبر في ظل انقسام إسرائيلي غير مسبوق يتخطى في كثير من جوانبه حدود التقارب والوحدة الأيديولوجية والحزبية. وبعيداً عن التحليلات المتفاخرة بما أفلحت إسرائيل في تحقيقه خلال السنوات الثلاث الفائتة، فإن القلق سيد الموقف حيث يوحي الجيش بجاهزية عالية لمواجهة أخطار فورية ومن مختلف الجبهات. لكن أشد ما يقلق كثرة من الإسرائيليين، ذلك الانقسام والذي لم يعد طولياً بين أحزاب وتوجهات من معسكرات مختلفة، وإنما داخل المعسكر الواحد أيضاً، خصوصا اليميني. وليس مصادفة أن نشير إلى تصريحات زعيم التيار الحريدي الحاخام لاندو التي قال فيها: "كان من الأفضل لو لم تقُم دولة إسرائيل وبقينا تحت الانتداب، والجنود الصهاينة المتدينون يقتلون بسبب تعاليم توراتية مشوهة". كما ليس صدفة في هذا الوقت بالذات، أن ينضم رئيس جهاز الشاباك المعروف بتطرفه اليميني، ديفيد زيني، إلى المطالبين بإعادة فرض الاعتقالات الإدارية على المستوطنين المتطرفين بعد أن ألغت حكومة نتنياهو استخدام هذا الإجراء بحقهم. وثمة أهمية لأن تصدر هذه التلميحات وغيرها في ظل نشر تقرير استخباري أميركي يحذر من احتمالات الحرب الأهلية في إسرائيل وإمكانية زوالها. وقد فاجأ تسجيل كشفت عنه القناة (12) الإسرائيلية، الاثنين الفائت، لأقوال الحاخام الحريدي الليتواني لاندو، الجمهور الإسرائيلي بشدة لاصطدامه مع الآراء السائدة في المجتمع الصهيوني. وجاءت هذه الأقوال خلال لقاء مع حاخامات أثناء الحرب الأخيرة. ولاندو صاحب نفوذ واسع داخل تكتل "يهدوت هتوراة"، الشريك في ائتلاف نتنياهو الحكومي، وكذلك داخل حزب "شاس"، وهما حزبان رئيسيان ضمن ما يسميه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ائتلافه الطبيعي، والحزبان يرفضان تجنيد طلاب المدارس الدينية. ويرفض لاندو موقف الصهيونية الدينية التي تحاول الجمع بين دراسة التوراة والخدمة العسكرية حيث اعتبره موقفاً "مشوشاً من الناحية التوراتية". وقال إن مثل هؤلاء الجنود "يذهبون ويُقتلون لأن حاخاماتهم يعلّمونهم توراة مشوهة"، وإن قسماً من العمليات التي ينفذونها "ليس من أجل الإنقاذ، وإنما من أجل كرامة الدولة". ورفض لاندو جوهر المشروع الصهيوني وإقامة دولة إسرائيل، وقال: "لا أعرف ماذا كان سيحدث لو لم تقُم الدولة من البداية، وأنشأوا هنا إدارة دولية؛ كان الوضع سيكون ممتازاً".وأضاف "يمكن العيش من دون دولة، والعيش جيداً مع العرب"، وقال إنه لو حكم العرب كان يمكن أن يكون "الوضع الأفضل"، معتبراً أنه كان بالإمكان التعامل معهم من خلال احترامهم وعدم التدخل في شؤونهم. وحمّل لاندو الحركة الصهيونية مسؤولية تعميق العداء العربي لليهود، وقال إن الصهيونية، التي زعمت أنها ستنقذ الشعب اليهودي، "جلبت الكوارث المادية، وليس الروحية فقط، على شعب إسرائيل"، مضيفاً أن العرب "لم يكرهوننا بهذه الدرجة عبر التاريخ". وقد وقع خلاف في اجتماع الحكومة الأسبوعي، بين رئيس الشاباك ديفيد زيني، ووزيرة الاستيطان والشتات أوري ستروك، بعدما اتهم الأول المستوطنين بالاعتداء على الفلسطينيين في الضفة الغربية، وإثارة العالم ضد إسرائيل. وسبق ذلك انتقاد نتنياهو لهؤلاء المستوطنين بعد أن كان برر أفعالهم واعتبرهم مجرد "عدد قليل". كما أن وزير الخارجية جدعون ساعر، حَمَل على أفعالهم، معتبراً أنها تلحق الضرر بصورة إسرائيل في العالم. وقد تخطى زيني هؤلاء عندما قال في الاجتماع: "لا توجد إدانات كافية من جميع القيادات، وهذا يضر بالأمن والاستيطان". وطبعا استفز موقف زيني هذا وزراء الصهيونية الدينية وعلى رأسهم ستروك التي رفضت اتهاماته وقالت: "أنتِ تُصوّر الأمر وكأن العرب عسل وجنة للمشاهدين، والمستوطنون وحدهم هم المعربدون". وأضافت "الفلسطينيون يهاجمون الرعاة ويؤذونهم ويعرضون حياتهم للخطر. يجب فضح هذه الهجمات أيضاً، والتعامل معها، والتحدث عنها". فما كان من زيني إلا أن رد عليها: "الفلسطينيون لا يحرقون منازل اليهود هنا. أنتِ منفصلة عن الواقع". وأضاف أنه إذا لم تتم السيطرة على "أعمال الشغب" التي يشنّها مستوطنون فسوف يطالب بإعادة استخدام الاعتقالات الإدارية بحقهم. تجدر الإشارة إلى أن وزير الأمن إسرائيل كاتس، وزيني نفسه، كانا وراء وقف استخدام الاعتقالات الإدارية ضد المتطرفين اليهود. وطبعا أثار الخلاف بين ستروك وزيني انتقادات وزراء حزب "القوة اليهودية" الذي يرأسه الوزير المتطرف إيتمار بن غفير، الذين طالبوا بإقالة زيني من منصبه. من المهم الإشارة إلى أن مئات الاعتداءات اليومية على المزارعين في الضفة الغربية، ليست نتاج عربدة مجموعة من المتطرفين اليهود بقدر ما هي تجسيد لسياسة رسمها زعيم "الصهيونية الدينية" بتسلئيل سموتريتش وقبلها نتنياهو تحت اسم "خطة الحسم". وتقضي الخطة بإنشاء البؤر الاستيطانية، ليس الزراعية وحسب وإنما الرعوية أيضاً، بهدف ال