في ظرف سياسي وأمني مأزوم، يجري الجيش اللبناني مناورات مشتركة مع القوات البريطانية، بحضور عسكريين من دول غربية وعربية، فيما تتعثر الاتصالات لتأمين وجود دولي في الجنوب بعد انتهاء مهمة اليونيفيل. لا تنطلق التدريبات من مشروع قوة بديلة، لكنها تجري في توقيت يمنحها دلالة تتجاوز مضمونها العسكري: دول تبدي استعدادها لمساندة الجيش وتطوير قدراته، من دون أن تتفق على شكل الحضور الذي يمكن أن يواكب مهماته في المرحلة المقبلة.مناورات «بيغاسوس سيدار 2026»، التي انطلقت في السادس من تشرين الأول وتستمر ثلاثة أسابيع، تندرج ضمن برنامج تعاون بدأ في العام 2023، يشمل الاستطلاع والدهم والقتال داخل المناطق المبنية، والإنزال بالطوافات ورمايات الهاون، بما يرفع جاهزية الوحدات وقدرتها على تنفيذ عمليات مشتركة.لكن اتساع المشاركة لتشمل عسكريين أميركيين وإيطاليين، وعناصر من جيوش فرنسا وقبرص وقطر والأردن كمراقبين، يضع التمرين في إطار أوسع من العلاقة اللبنانية البريطانية. فالمناورات تتيح التواصل بين الجيش وعدد من شركائه، في وقت يحتاج فيه إلى تثبيت قنوات الدعم، فيما تتزايد الأعباء الميدانية وتتراجع فرص الاتفاق على مظلة دولية للجنوب. الحضور المتعدد ودلالتهتؤكد مصادر عسكرية لـِ «المدن» أن المناورات جزء من برامج التدريب الدورية، وأنها غير مرتبطة بترتيبات انتشار أجنبي في الجنوب. وتوضح أن فائدتها تكمن في تطوير المهارات والتنسيق وتبادل الخبرات، وهي أهداف قائمة بصرف النظر عن النقاش حول مستقبل اليونيفيل.غير أن الفصل بين البرنامج العسكري وخلفيته السياسية لا يلغي دلالة التوقيت. فالتدريب على الاستطلاع والدهم والقتال في المناطق المبنية والإنزال الجوي يعزز قدرة الجيش على التعامل مع بيئات ميدانية معقدة. وهذه قدرات يحتاج إليها في مجمل مهماته، من حماية الحدود إلى الانتشار وضبط الأمن، من دون أن يعني ذلك أن المناورة صُمّمت لمهمة سياسية أو أمنية محددة.كذلكَ، تختلف مستويات الانخراط الدولي بين المشاركة في التدريب والحضور بصفة مراقب. وهذا التمييز أساسي لفهم حجم الالتزام: المشاركة تتيح اختبار التنسيق عملياً، فيما يوفّر الحضور الرقابي فرصة للاطلاع على قدرات الوحدات وأساليب عملها وحاجاتها. لكنه لا يرتب، في الحالتين، تعهداً بإرسال قوات إلى الجنوب.ويضيف الوجود العربي بعداً سياسياً إلى المشهد. فحضور قطر والأردن يوسّع دائرة الاهتمام بالجيش خارج الشراكات الغربية، ويظهر أن دعم المؤسسة العسكرية يشكل مساحة تلاقٍ عربي ودولي. إلا أن هذا التلاقي في التدريب لم يتحول إلى اتفاق على المشاركة في ترتيبات أمنية بديلة. وتكشف مصادر مطلعة أن طرح مشاركة أردنية في حضور دولي جنوباً لم يسلك حتّى طريقه إلى التنفيذ. أما الحضور الأميركي، فيبرز المسافة بين دعم الجيش والموقف من اليونيفيل. فالمساهمة في تطوير قدرات المؤسسة العسكرية لا تعني الموافقة على استمرار القوة الأممية، ولا على الصيغ المطروحة لخلافتها. وبذلك، يمكن أن تتقدم برامج التعاون العسكري، بينما تبقى المفاوضات حول الوجود الدولي عالقة. المبادرة الفرنسية الإيطالية تتراجعوفق مصادر مطلعة على الاتصالات، تواجه مساعي تمديد مهمة اليونيفيل معارضة أميركية وإسرائيلية تجعل فرصها شديدة الصعوبة، ما لم يطرأ تبدل سياسي. ولا يقتصر المأزق على بقاء القوة الحالية، بل يمتد إلى البدائل التي جرى بحثها.وتكشف المصادر لـِ «المدن» أن المبادرة الفرنسية الإيطالية فقدت كثيراً من فرصها، بفعل الاعتراض الأميركي والإسرائيلي على الدور الفرنسي، والتعقيدات الداخلية التي تحيط بالمشاركة الإيطالية. فإرسال قوات ضمن مهمة خارج المظلة الأممية يحتاج إلى موافقة البرلمان الإيطالي، ويخضع لحسابات سياسية تجعل ترجمة الاستعداد للمساعدة إلى انتشار عسكري أمراً صعباً. كما أن روما لا تبدي حماسة لتحمل المهمة منفردة.وهنا تظهر مفارقة أخرى في المناورات: يمكن لفرنسا وإيطاليا أن تحضرا في إطار تعاون تدريبي مع الجيش، بينما يتعثر دورهما في قوة بديلة. فقبول التعاون العسكري لا يساوي قبول وجود ميداني دائم، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالرقابة على الحدود ومواكبة الانسحابات والتحقق من الالتزامات.ولم تتبلور، وفق المصادر، صيغة أوروبية أخرى تتجاوز هذه العقبات. لذلك، لا يزال لبنان يناقش الاحتمالات أكثر مما يتعامل مع مشروع مكتمل، فيما يتمسك بحضور دولي يحول دون الفراغ، ويفضّل الحفاظ على مظلة أممية. عون يبحث في مرحلة الانسحابمع انتهاء ولاية اليونيفيل في نهاية العام 2026 وبدء إنسحابها التدريجي خلال العام 2027، تتحول المرحلة الانتقالية نفسها إلى موضوع تفاوض. وتكشف المصادر لـِ «المدن» أن الرئيس العماد جوزاف عون طرح مع الجانب الأميركي إمكان استمرار الوحدات التي تبقى في الجنوب في أداء مهمات إلى حين اكتمال مغادرتها. وتقوم الفكرة على الاستفادة م