ينقل الحديث عن اجتماع جمع مسؤولين سوريين وممثلين عن "حزب الله" في تركيا، العلاقة بين الطرفين إلى مستوى مختلف عن مراحل الصراع السابقة، لأن توقيت الاجتماع يأتي وسط إعادة تشكيل واسعة للمشهد السوري واللبناني والإسرائيلي، وفي لحظة تعيد فيها دمشق بناء مؤسساتها الأمنية والعسكرية وتعمل على تثبيت سيادتها على الحدود؛ بينما يعيش "حزب الله" مرحلة إعادة تموضع تحت ضغط الحرب مع إسرائيل والتحولات التي أصابت موقعه الإقليمي، وتواصل إسرائيل توسيع نشاطها العسكري والأمني داخل الجنوب السوري، فيما تتحرك تركيا والولايات المتحدة ودول عربية ضمن مسارات متقاطعة لإعادة ترتيب البيئة الأمنية المحيطة بسوريا. ونقلت "رويترز" عن ستة مصادر مطلعة، أن مسؤولين سوريين من الاستخبارات ووزارة الخارجية التقوا ممثلين عن "حزب الله" في تركيا خلال سبتمبر/أيلول 2026، بدعوة من أجهزة أمنية واستخباراتية تركية، وتركزت المحادثات وفق الرواية ذاتها على تهدئة التوترات وملفات أمنية، بينما صدرت مواقف رسمية سورية وتركية ولبنانية تنفي انعقاد الاجتماع، وهو ما يجعل تفاصيل اللقاء ضمن رواية صحفية متعددة المصادر تحتاج إلى التعامل معها باعتبارها معطيات قيد التحقق، مع أهمية خاصة للدلالة السياسية التي تحملها الرواية في هذا التوقيت. يأتي هذا التطور بعد تمهيد سياسي سبق الحديث عن الاجتماع، إذ أعلن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في تموز/يوليو استعداد دمشق للقاء "حزب الله" عندما تقتضي المصلحة، ثم تحدث نعيم قاسم في آب/أغسطس بليونه عن إمكانية عقد لقاء علني مع القيادة السورية عندما يرى الطرفان أن التوقيت مناسب، لتظهر قناة الاتصال المحتملة ضمن مسار تدريجي يبدأ بالرسائل السياسية ويمر بالاتصالات الأمنية وصولاً إلى إمكان بناء تفاهمات محددة حول الحدود، والسلاح، والخلايا، والتهريب. هذا المسار مهم لدراسة طبيعة العلاقة السابقة بين الطرفين؛ حيث قاتل "حزب الله" إلى جانب نظام بشار الأسد لسنوات، بينما خرجت القيادة السورية الجديدة من بيئة عسكرية وسياسية كانت في مواجهة مباشرة مع الحزب، ثم فرضت الجغرافيا بعد سقوط الأسد علاقة جديدة بين الطرفين تقوم على حدود مشتركة ومصالح أمنية متداخلة وحاجة متبادلة إلى ضبط مصادر الخطر. وتبحث دمشق في هذه المرحلة عن إعادة تأسيس مفهوم السيادة السورية عبر السيطرة على المجال الأمني والعسكري داخل البلاد، ولذلك تتحول الخلايا المسلحة وشبكات التهريب ومنصات الصواريخ والطرق التي تُستخدم لنقل السلاح، إلى ملفات مركزية في عملية بناء الدولة، خصوصاً في الجنوب السوري وعلى الحدود مع لبنان. أعلنت السلطات السورية في 30 أيلول/سبتمبر الماضي، تفكيك خلية قالت إنها مرتبطة بـ"حزب الله" في حوض اليرموك بمحافظة درعا، مع اعتقال ثلاثة أشخاص وضبط منصات لإطلاق الصواريخ، بينما نفى الحزب علاقته بالخلية وأكد غياب أي نشاط عسكري له داخل سوريا. ويكتسب توقيت هذه العملية أهمية مع نشر تقرير "رويترز" في اليوم التالي تقريباً، حول لقاء سوري مع "حزب الله"، لأن تزامن المسارين الأمني والسياسي يرسم بيئة يمكن فيها لدمشق أن تستخدم العمل الأمني لتثبيت حدود الحركة على الأرض، بينما تستخدم قناة الاتصال المحتملة لإدارة الطرف المرتبط بهذه الشبكات بصورة مباشرة. تتمثل الأولوية السورية في هذه المعادلة في تنظيف المجال الأمني قبل ترتيب المجال الإقليمي، لأن الدولة التي تسعى إلى التفاوض مع إسرائيل حول حدودها الجنوبية وإلى بناء علاقات مستقرة مع لبنان وتركيا والولايات المتحدة، تحتاج إلى تقديم نفسها باعتبارها الجهة التي تتحكم في السلاح والتحركات العسكرية داخل أراضيها. هنا تتحول السيطرة على الجنوب إلى عنصر أساسي في هذه العملية، لأن أي صاروخ ينطلق من الأراضي السورية يمكن أن يستدعي رداً إسرائيلياً ويضع دمشق أمام مواجهة عسكرية لم تحدد توقيتها، بينما يمنح وجود خلايا أو شبكات مسلحة إسرائيل ذريعة إضافية للحركة داخل الأراضي السورية كما في منطقة بيت جن وجباثا الخشب والحميدية، ويضعف قدرة دمشق على المطالبة بربط السيادة بالميدان. وبدلاً من إدارة الملف عبر الاعتقالات والبيانات والتوترات الحدودية، تستطيع دمشق استخدام قناة مباشرة لإعادة تعريف قواعد النشاط داخل سوريا، ويمكن أن تطالب الحزب بوقف أي نشاط عسكري أو أمني منظم داخل الأراضي السورية، وإغلاق شبكات التهريب المرتبطة به، وتقديم ضمانات حول حركة العناصر والسلاح، مقابل تثبيت قاعدة سياسية تقوم على تعامل دمشق مع الحزب باعتباره طرفاً لبنانياً، وترك ملف سلاحه داخل لبنان لمسار الدولة اللبنانية وترتيباتها الداخلية والإقليمية. المهم في هذا المسار هو إبلاغ الجانب السوري ممثلي "حزب الله" بأن دمشق لن تتدخل عسكرياً داخل لبنان لنزع سلاح الحزب، وهذا موقف الرئيس أحمد الشرع الدائم في عدة لقاءات، مقابل مطالبة سورية بمسا