لم تستأنف المصارف السورية خدماتها بعد، فلا قروض ولا تسهيلات طال انتظارها، على الرغم من سلسلة "التبشيرات" التي تتوالى بشأن عودة القطاع المصرفي إلى العمل. فهذا القطاع كان من أكثر القطاعات تضرراً منذ بداية الأزمة، ولا يزال تعافيه متأخراً، وهذا ما يعكس خللاً تترتب عليه سلسلة من التداعيات السلبية، سواء على مستوى الأفراد والأسر، أو على الصعيد التنموي العام وانعكاساته الاقتصادية والاجتماعية. فالسيولة النقدية وقود التنمية، والمصارف محركات دافعة، وعندما تتعطل فهذا يعني أن التنمية تعطلت. فلماذا ما زالت المصارف السورية خارج مضمار الحراك الاقتصادي؟ وكيف يمكن تجاوز هذا الخلل في بلد وصلت معدلات البطالة والفقر فيه إلى ما يفوق 90%، ويبدو بأمسّ الحاجة لإقلاع عجلة الاستثمار والتشغيل وإنتاج فرص العمل؟ لا يرى الخبير والمحلل الاقتصادي والمالي الدكتور محمود عبد الكريم أن المصارف السورية تأخرت في الإقراض لأنها ترفضه، بل لأن ثمة ثلاث حلقات مكسورة تعمل في وقت واحد: ودائع تفتقد الثقة، ورأس مال صغير جداً قياساً بحجم الاقتصاد، ومقترض يصعب قياس قدرته على السداد. ويوضح في حديثه إلى "المدن" أن الرقم الذي يلخص المشكلة هو نسبة الائتمان إلى الناتج المحلي، أي حجم القروض المصرفية مقارنة بحجم الاقتصاد. فقبل العام 2011 كانت القروض تتجاوز 23% من الناتج، واليوم لا تزيد إلا قليلاً على 4%، أي أن عمق الائتمان انكمش إلى نحو سدس ما كان عليه، وأن المصارف لا تموّل من كل مئة ليرة ينتجها الاقتصاد إلا أربع ليرات تقريباً. وهنا يجب التمييز بين الإصلاح المصرفي والإقراض الفعلي. فقد عادت سوريا إلى نظام سويفت، وأعيد فتح حساب المصرف المركزي لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك وبنك فرنسا، وأُلغي تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب في 24 آب 2026، وأُطلق مشروع بمئة مليون دولار لتحديث البنية المالية ومراجعة جودة أصول المصارف كلها. هذه شروط مسبقة للإقراض وليست إقراضاً. أما التسهيلات الائتمانية فأوسع من القرض التقليدي، إذ تشمل السحب على المكشوف وتمويل رأس المال العامل والاعتمادات المستندية والكفالات وتمويل التجارة. والسؤال الحاسم الذي يطلقه د. عبد الكريم هو: هل وصل أي منها إلى مصنع يحتاج آلة، أو مزارع يحتاج تمويلاً؟ فنجاح الإصلاح المصرفي لا يقاس فقط بعدد القرارات أو الخدمات الإلكترونية، وإنما بقدرة النظام المالي على تحويل الودائع إلى تمويل منتج يمكن للاقتصاد تحمله. أما الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي، فيعود في حديثه مع "المدن" إلى ملامح قديمة مرتبكة للمشهد المصرفي في سوريا، ويشير إلى أن المصارف السورية لم تلعب دوراً فعالاً في تمويل الاستثمار، في ظل عدم وجود دور حقيقي للسياسات النقدية من قبل مصرف سوريا المركزي. وبعد هذه العقود من الزمن وتراكم الأزمات، تسارعت ظاهرة هروب السيولة ورؤوس الأموال من المصارف إلى الخارج أو تخزينها في المنازل، ما جعل دور الجهاز المصرفي اليوم يواجه صعوبة كبيرة وتحديات. ورغم كثرة الأحاديث والبيانات الرسمية عن إنجازات وتسهيلات جديدة، إلا أن الواقع يشير إلى تأخرٍ ملموس في إنجاز هذه "القروض والتسهيلات المصرفية" على أرض الواقع، ما يترك أثراً تنموياً سلبياً على كافة مفاصل الاقتصاد الوطني. فتأخر منح القروض يحرم القطاعات الصناعية والزراعية والخدمية من التمويل الشديد الأهمية، ما يؤدي إلى تراجع الطاقة الإنتاجية للمشاريع وتوقف توسعها. وعدم وجود تدفق ائتماني يولد انطباعاً جارفاً بعدم الجدوى من الإيداع، ما يعزز المكتنزات المنزلية ويغذي قطاعات الاقتصاد غير الرسمي على حساب الاقتصاد الوطني. وعندما تتوقف التسهيلات الموجهة للأنشطة الإنتاجية، يقل المعروض السلعي في الأسواق وتتراجع فرص العمل المتاحة، ما يرفع معدلات التضخم نتيجة نقص الإنتاج ويعمق أزمة المعيشة. وينبّه الدكتور قوشجي إلى أن التناقض بين الأحاديث الرسمية المشجعة والواقع التنفيذي المعقد، يعمق فجوة عدم الثقة لدى المستثمرين والمواطنين تجاه النظام المصرفي ككل. في نظرة تشخيصية فنية، يجزم الخبير الاقتصادي والمالي د. محمود عبد الكريم بأن عقدة المصارف في سوريا تبدأ من رأس المال. فحقوق ملكية جميع المصارف الخاصة مجتمعة بلغت نهاية 2025 نحو 8.7 تريليون ليرة قديمة؛ أي قرابة 795 مليون دولار، وهو ما يعادل رأس مال مصرف واحد متوسط في الأردن أو مصر أو تونس. أما الحد الأدنى القانوني لرأس المال فبقي 10 مليارات ليرة قديمة؛ أي نحو 0.9 مليون دولار اليوم، بعدما كان يعادل 212.7 مليون دولار في العام 2010، ففقد أكثر من 99% من قيمته الحقيقية. وقد يبدو ذلك متناقضاً مع نسب كفاية رأس المال المرتفعة. هذه النسب تتجاوز الحد الأدنى البالغ 8% بكثير، وتتخطى 100% لدى ثلاثة مصارف، لكن السبب ضآلة الإقراض لا قوة رأس المال، إذ لا تشكل التس