"كان اكتشاف الذات في العرباتِ أو في المشهد البحريِّ في ليل الزنازين الشقيقةِ قي العلاقات السريعة والسؤال عن الحقيقهْ في كلِّ شيء كان أحمد يلتقي بنقيضهِ عشرين عاماً كان يسألْ عشرين عاماً كان يرحلْ عشرين عاماً لم تلده أمّهُ إلّا دقائقَ في إناء الموز وانسَحبَتْ يريد هويّةً فيصاب بالبركانِ سافرتِ الغيوم و شرّدتني ورَمَتْ معاطفها الجبالُ وخبّأتني" تمر السنة الثالثة على هجوم حماس والعالم يتغير بسرعة من حولنا، وما كان أصحابه يعتقدون أنه سيكون بداية معركة تحرير سيشارك بها مئات الآلاف من محور المقاومة، تحول إلى ما نراه اليوم من نتائج لم تحسم حتى هذه اللحظة، لكن النتائج كانت كارثة جديدة وقعت على رؤوس الفلسطينيين واللبنانيين، فيما شرعت إسرائيل في وضع أمر واقع جديد، في الجغرافيا والديموغرافيا والوقائع العسكرية والسياسية، وكأن الهجوم الذي قامت به حماس كان مخصصاً لخدمة أهداف التوسع لإسرائيل. يبدأ استخلاص الدروس من هجوم حماس في السابع من أكتوبر 2023 من موقف أخلاقي واضح هو أن استهداف المدنيين وقتلهم وخطفهم أعمال مدانة، مهما كانت هوية مرتكبيها وعدالة القضية التي يرفعونها. والإرهاب، بمعنى استخدام الرعب والاعتداء على الأبرياء لتحقيق أهداف سياسية، يستوجب الرفض في جميع أشكاله، سواء ارتكبته جماعات مسلحة أو مارسته دولة تمتلك جيشًا وطائرات. فالحقوق الفلسطينية تستمد مشروعيتها من حق الشعب في الحرية وتقرير المصير، وتبقى هذه المشروعية مستقلة عن الجرائم التي تُرتكب باسمها. وكذلك تستحق حياة المدنيين الإسرائيليين الحماية، من دون أن تتحول حمايتها إلى ترخيص بإبادة شروط الحياة الفلسطينية. لكن الإدانة الأخلاقية تكتمل حين تقترن بفهم السياق، فالسابع من أكتوبر وقع داخل تاريخ طويل من الاحتلال والحصار والاستيطان وتعطيل التسويات. وقد وثّق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، قبل الهجوم، كيف أدت القيود المشددة منذ 2007 إلى عزل غزة، وحبس معظم سكانها داخل مساحة ضيقة، وتعطيل فرص العلاج والتعليم والعمل والتواصل العائلي. ومن هنا اكتسب وصف القطاع بأنه "معتقل كبير" قوته من خلال واقع أن حياة ملايين البشر معلقة بإذن للعبور، أو قرار بفتح معبر، أو هدنة قابلة للانهيار. داخل هذا الواقع، يستطيع الإنسان أن يفهم كيف أصبح الانفجار احتمالًا يصل إلى حد اليقين، وكيف أمكن تقديم العمل المسلح بوصفه مخرجًا من انسداد مستمر في الأفق السياسي. غير أن فهم هذا التصور يختلف عن اعتباره مخرجًا صالحًا، فقتل المدنيين يبدد الحدود الأخلاقية التي تحمي قضية التحرر، ويمنح الخصم فرصة لاستبدال السؤال عن الاحتلال بحصر السؤال عن الإرهاب وحده من دون بحث أسبابه. كما أن سكان غزة، بتنوع مواقفهم ومصالحهم، يستحقون حياة تتجاوز الاختيار بين الخضوع للحصار ودفع ثمن مغامرات عسكرية يقررها آخرون. وتظل قيادة حماس مسؤولة عن قراراتها، وعن الجرائم المرتكبة خلال الهجوم. الدرس الأول، إذن، يتعلق بوهم إمكان إدارة شعب إلى الأبد من خلال القوة. تستطيع الأسوار تأخير المواجهة، وتستطيع التكنولوجيا مراقبة الحركة، لكن تراكم الإذلال وانعدام الأمل يخلق بيئة قابلة للانفجار بشكل متكرر. وقد تعاملت السياسة الإسرائيلية، في اتجاهاتها الأكثر تشددًا، مع القضية الفلسطينية باعتبارها مشكلة أمنية قابلة للاحتواء، بينما جرى إرجاء السؤال السياسي حول أين الدولة الفلسطينية؟ وأين حدود الاحتلال؟ وأين المساواة في الحق بالحياة والحرية؟ وحين تُختزل المطالب الوطنية في إجراءات أمنية، يصبح الهدوء المؤقت دليلًا مضللًا على نجاح سياسة تراكم أسباب انهيارها. ويتجاوز الأمر مجرد تأجيل المفاوضات، فكل توسع استيطاني، وكل تقطيع للأرض الفلسطينية، يغير موضوع التفاوض نفسه، ويجعل الدولة الموعودة أقل قابلية للتحقق. وقد عبّر بتسلئيل سموتريتش بوضوح عن هذه الوجهة حين قدم مشروع "إي1" الاستيطاني عام 2025 باعتباره وسيلة لدفن فكرة الدولة الفلسطينية. هنا تظهر المسافة بين خطاب انتظار الشريك المناسب وممارسة إلغاء الأرض التي يمكن لذلك الشريك أن يقيم عليها دولته. وحين يتراجع احتمال التسوية المجدية، تزداد قدرة دعاة العنف على تصوير السياسة باعتبارها طريقًا مسدودًا. أما الدرس الثاني فيتعلق بكيفية استثمار الكارثة، تكفي متابعة القرارات والتصريحات لفهم كيف استخدمت القيادة الإسرائيلية بشاعة الاعتداء لتوسيع هامش القبول بالحرب. وهذا تحليل للاستثمار السياسي اللاحق، مستقل عن أي زعم بأن القيادة رتبت الهجوم أو أرادته. فقد وفرت الصدمة تعاطفًا دوليًا واسعًا، وتحول خطاب حماية الإسرائيليين واستعادة الرهائن إلى مظلة لتسويغ عمليات امتدت آثارها إلى المجتمع الغزي بأكمله. وأصبح الاعتراض على حجم التدمير يُواجَه أحيانًا باستدعاء صور السابع من أكتوبر، كأن فظاعة الجريمة الأولى تمنح حصانة أخلاقية لكل ما