يصعب بناء علاقة جديدة بين لبنان وسوريا إذا ظلّ اللبنانيون يرون في دمشق عنواناً لماضٍ يريدون الثأر منه، أو فرصة لاستعادة امتيازات فقدوها. ويصعب على السوريين تأسيس هذه العلاقة إذا بقي لبنان في حساباتهم امتداداً أمنياً لبلادهم. سقوط نظام الأسد أزال عقبة كبرى أمام قيام علاقة مختلفة، لكنه لم يُنجز المهمة. فتغيير السلطة في إحدى الدولتين يفتح الباب؛ أما العبور إلى علاقة سليمة فيحتاج إلى تغيير القواعد التي حكمتها. اكتمل الانسحاب العسكري السوري من لبنان في نيسان 2005، ثم سقط نظام الأسد في كانون الأول 2024. وبين المحطتين فرق ينبغي الحفاظ عليه: الأولى أنهت الوجود العسكري المباشر، والثانية أسقطت النظام الذي أقام الوصاية. أما تجاوز الوصاية بوصفها طريقة في إدارة السياسة والعلاقات، فمسألة تتعلق أيضاً بما يفعله اللبنانيون باستقلالهم، وما يريده السوريون لدولتهم الجديدة. تمنح الاتصالات الاقتصادية الأخيرة هذا النقاش مناسبة عملية. فالمنتدى اللبناني السوري للاستثمار، الذي انعقد في بيروت في 23 أيلول، جمع مسؤولين وممثلين عن قطاع الأعمال حول التعاون وإعادة الإعمار. وتحدث وزير الاقتصاد السوري عن شراكة تحترم سيادة البلدين واستقلال قرارهما. هذه لغة جديرة بأن تتحول إلى سياسة، ويبدأ اختبارها حين تُترجم إلى اتفاقات وإجراءات ومصالح قابلة للقياس والمساءلة. المشكلة القديمة لم تكن في كثافة العلاقة بين البلدين. الجوار يفرض ملفات مشتركة، والتاريخ الاجتماعي والاقتصادي يمنحه عمقاً يتجاوز الحكومات. كانت المشكلة في إخضاع تلك العلاقة لميزان سياسي يجعل طرفاً مرجعاً في شؤون الطرف الآخر، ويفتح أمام قوى لبنانية طريقاً إلى السلطة والنفوذ عبر الخارج. ولهذا فإن المراجعة اللبنانية لا تستقيم إذا اختُصرت في إدانة النظام السوري السابق، وأُعفي منها كل من استثمر في وصايته أو اعتاد طلب الحماية الخارجية لحسم خلافاته الداخلية. وهنا يكمن أحد اختبارات المرحلة الجديدة: أن تتخلى القوى اللبنانية عن البحث في دمشق عن حليف يرجّح كفتها على خصومها. فمن عارض النظام السابق لا يكتسب، بفعل هذه المعارضة، حقاً خاصاً في تمثيل لبنان لدى السلطة الجديدة. ومن تحالف معه لا يحق له تعطيل العلاقة الجديدة دفاعاً عن موقعه القديم. علاقة الدولتين يجب أن تمر عبر المؤسسات المخوّلة، وأن تخضع للمصلحة العامة، أياً تكن الصداقات والخصومات الشخصية والحزبية. وفي المقابل، تحتاج دمشق إلى التعامل مع لبنان باعتباره دولة لها مؤسساتها ومصالحها وتعددها السياسي. التعاون الأمني ضروري، لكنه يصبح مدخلاً إلى اختلال جديد إذا تحوّل إلى تفويض مفتوح للتدخل، أو إلى شبكة علاقات مع أطراف محلية تتجاوز السلطات الرسمية. ومن مصلحة سوريا أن يكون على حدودها بلد قادر على تنفيذ التزاماته، وأن تجد أمامها جهة رسمية مسؤولة تستطيع محاسبتها والتفاوض معها. تبدأ هذه العلاقة من الحدود. وقد شدد اتفاق آذار 2025، الذي وُقّع برعاية سعودية، على أهمية ترسيمها وتفعيل آليات التنسيق الأمني. لكن قيمة أي مسار من هذا النوع تُقاس بقدرته على إنتاج قواعد مستقرة لحركة الناس والبضائع، وعلى إخضاع السلاح والمعابر لسلطة الدولة في الجانبين. الحدود المنظمة مصلحة لأهالي المناطق الحدودية أيضاً. هؤلاء يحتاجون إلى تجارة قانونية وفرص عمل وإجراءات مفهومة، حتى لا تصبح معيشتهم رهينة الوسطاء أو الإغلاقات المفاجئة. وكلما أمكن عبور البضائع بكلفة واضحة ووقت معقول، تراجعت الحاجة إلى الحماية السياسية والاستثناءات. بذلك يصبح ضبط الحدود جزءاً من التنمية، وتصبح التنمية عاملاً يساعد على ضبطها. وفي هذا الاتجاه، أعلنت وزارة الاقتصاد اللبنانية في أيلول العمل على تسهيل الإجراءات التجارية، استكمالاً للجنة تقنية لمعالجة عوائق المعابر وتسريع حركة الشاحنات وخفض الكلفة الإجرائية. تبدو هذه التفاصيل أقل جاذبية من العناوين السياسية الكبرى، لكنها تمسّ جوهر العلاقة المطلوبة: حقوق وإجراءات يستطيع صاحب المصلحة الاعتماد عليها من دون أن يبحث عن صاحب نفوذ. وينطبق المعيار نفسه على إعادة الإعمار. يستطيع لبنان أن يسعى إلى فرص في النقل والخدمات والاستثمار، لكن هذه الفرص تحتاج إلى كفاءة وتمويل وضمانات قانونية. ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها تعويضاً مستحقاً للبنان، أو مكافأة سياسية توزَّع على المقربين. كما لا تستطيع السوق السورية أن تعفي الدولة اللبنانية من إصلاح اقتصادها ومؤسساتها. التعاون يوسّع إمكانات التعافي حين يقوم على أسس سليمة، أما بناء التوقعات على القرابة الجغرافية وحدها فينتج خيبات جديدة. تبقى الملفات الإنسانية اختباراً أشد حساسية. قضية المفقودين تستدعي الحقيقة والتوثيق وحقوق العائلات، بعيداً عن المساومات. وملف اللاجئين يحتاج إلى تعاون يتيح العودة الطوعية والآمنة والكريمة، ويعالج شروط السكن والأ