دخل اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، مرحلة جديدة مع قرار الدول الثلاث الانتقال إلى التنفيذ العملي لالتزامات الدفاع المشترك، في ظل تصاعد الهجمات التي تستهدف المملكة وتزايد المخاطر المرتبطة بأمن البحر الأحمر وباب المندب. وجاء القرار خلال الاجتماع الطارئ للجنة الاستراتيجية السياسية والدفاعية للتحالف في الرياض، في 5 تشرين الأول/أكتوبر، حيث أعلنت الدول الثلاث اتخاذ الإجراءات اللازمة لتوفير القوات والقدرات العسكرية المتفق عليها. ويكتسب هذا الإعلان أهمية خاصة بالنسبة إلى تركيا، ليس فقط بسبب إمكان انتقالها من التعاون الدفاعي إلى مساهمة عسكرية مباشرة، وإنما أيضاً بسبب السؤال القانوني المتعلق بقدرة أنقرة على إرسال قوات إلى السعودية من دون العودة إلى البرلمان. حتى الآن، لم يكشف البيان الثلاثي عن حجم القوات التي ستقدمها كل دولة، أو طبيعة الوحدات التي ستنتشر في السعودية، وهو ما يعني أن الحديث عن قوات تركية برية أو قواعد عسكرية دائمة لا يزال سابقاً لأوانه. وكانت أنقرة قد أوضحت في آب/أغسطس الماضي، أن التعاون الثلاثي يمكن أن يشمل التدريبات المشتركة في المجالات البرية والبحرية والجوية، إضافة إلى الدفاع الجوي والأنظمة المسيّرة والحرب الإلكترونية، فضلاً عن تطوير وإنتاج تقنيات دفاعية بصورة مشتركة. ويرى الباحث في مركز جسور للدراسات عبد الوهاب عاصي، أن "تركيا يمكن أن تقدم تركيا دعماً لوجستياً، ودعماً عبر الطائرات المسيّرة كما فعلت في أوكرانيا، لكن بصورة أكثر وضوحاً، في حالة السعودية". ويعرب عاصي في حديث لـ"المدن"، عن اعتقاده بأن "أنقرة لن تنخرط في تدخل عسكري مباشر، بل ستقوم بالتنسيق، وستدفع باتجاه تنسيق عمل الدول المشاركة الثلاث، سواء كنا نتحدث عن باكستان أوالسعودية أو تركيا"، مضيفاً "لا أعتقد أنها سترسل قوات، فموضوع القوات البرية يحتاج إلى موافقة من البرلمان في كل مرة". ويوضح أن "إرسال مثل هذه القوات في الظرف الراهن أمر صعب، لكن يمكن لتركيا أن تنسق مع سوريا، وأن تقوم سوريا بدورها بتوقيع اتفاقية تدخل ضمن اتفاقية تحالف مكة، وإذا دخلت سوريا في تحالف مكة، فيمكنها أن ترسل قواتها". لكنه لا يرى أن "سوريا مستعدة للاضطلاع بمثل هذا الدور". وجود عسكري تركي لدعم أمن السعودية أما عضو هيئة التدريس في جامعة لوسيل القطرية، الباحث التركي محمد مظهر شاهين، فقال لـ"المدن"، إن "تركيا كانت تقدم للسعودية منذ فترة طويلة، صواريخ للدفاع الجوي ورادارات، وكانت هذه الصواريخ والرادارات تُستخدم بهدف التصدي للتهديدات الحوثية، إلا أن السعودية طلبت خلال هذا الاجتماع خطوة إضافية، تتمثل في وجود عسكري تركي وباكستاني على الأراضي السعودية". لكنّ شاهين لفت إلى أن تركيا لن تشنّ أي هجوم ضد الحوثيين، موضحاً أنه "عندما ترسل تركيا قوات إلى السعودية، فإنها لا تفعل ذلك من أجل الحرب مع الحوثيين أو الدخول في مواجهة مع أي طرف آخر، وإنما، كما حدث سابقاً في قطر، من أجل دعم السلام في المنطقة، والمساهمة في أمن الدولة التي تتواجد فيها، والاستمرار في الحوار مع الأطراف المقابلة أيضاً". وحسب محللين أتراك، فإن هذه النقطة تبدو الأكثر تعقيداً، فالبيان الصادر عن اجتماع الرياض تحدث عن القوات والقدرات العسكرية المتفق عليها، لكنه لم يقدم تفاصيل عن حجم الانتشار أو نوع الوحدات أو مهامها. وهذا يعني أن التنفيذ قد يبدأ تدريجياً، من خلال القدرات التي لا تتطلب انخراطاً مباشراً في العمليات القتالية. قانونياً، لا يمكن التعامل مع مسألة إرسال القوات التركية إلى السعودية باعتبارها قراراً تنفيذياً بسيطاً، فالمادة 92 من الدستور التركي، تنصّ على أن صلاحية السماح بإرسال القوات المسلحة التركية إلى دول أجنبية تعود إلى البرلمان، باستثناء الحالات التي تفرض فيها المعاهدات الدولية التي تكون تركيا طرفاً فيها أو قواعد المجاملة الدولية مثل هذا الإجراء. ويوضح الأكاديمي المختص بالشأن التركي سمير صالحة لـ"المدن"، أن "تركيا لا يمكن أن تتحرك دون موافقة البرلمان"، مبيناً أن تنفيذ الالتزامات العسكرية للتحالف "سيبقى مرتبطاً باستكمال الإجراءات الدستورية والقانونية والمصادقة على الاتفاقيات داخل الدول الثلاث، قبل الانتقال إلى مرحلة التنفيذ العملي". ولا يأتي تفعيل اتفاق مكة بمعزل عن مسار أوسع لإضفاء الطابع المؤسسي على التحالف، فقد اتفقت الدول الثلاث على إنشاء أمانة عامة للتحالف في السعودية، وتعيين الفريق المتقاعد نعمان محمود من باكستان أول أمين عام لمدة ثلاث سنوات. ويرى صالحة أن تحالف مكة "بدأ يتحول إلى ثقل إقليمي مؤثر، حتى قبل دخوله مرحلة التنفيذ الفعلي، في ظل إعادة تشكيل التوازنات في المنطقة، خصوصاً في اليمن وباب المندب ومضيق هرمز، إلى جانب التطورات في سوريا والعراق ولبنان والملف الفلسطيني". ويشير إلى أن "ال