هل أمست مغادرة لبنان، ولو لأيام قليلة، من ضرورات تحمُّل أعباء العيش في الخواء والاختناق الزاحفين مع الموت في أرجائه؟ وبعد حلقة أولى في عنوان "مشاهد سياحية في باريس.. يا لتعاسة الفرنسيين!"، هنا حلقة ثانية عن مشاهد من نافذة قطار في سهول النورماندي. من نافذة قطار يجتاز مسافة ساعة وعشر دقائق نحو مدينة آيغل الفرنسية الصغيرة في النورماندي شمال باريس الغربي، تتوالى مشاهد ريف زراعي شاسع بانبساطه الهندسي وخطوطه النباتية المستقيمة على مدى البصر. ليس في هذه المنبسطات سوى أجمات أشجار هندسية بدورها، كأنما تُركت أو غُرست هكذا كمعالم أو إشارات في المدى المترامي حتى الأفق. وهناك بيوت قليلة متناثرة ومتباعدة، تبدو لأنظار العابرين من بعيد خالية مهجورة. وإن ظهر من ساكنيها شخصٌ ما في مكان ما، يتراءى أقرب إلى عصفور أو طائر وحيد متناهي الصغر في فضاء لا أثر فيه إلا لحياة نباتية ولأبقار ترعى أو تستلقي مستوحدة مطمئنة على الأرض المعشبة. ولا حاجة لاجتماع ومجتمعٍ في هذه المنبسطات الزراعية ومزارع البقر المترامية على مدى البصر. كأنما الطبيعة هندستْها أو بشر غائبون. أما البيوت فلربما كانت مأهولة في أزمةٍ مضت. وقد لا يفيد في شيء ولا معنى ولا يغيّر في المشهد شيئًا القول إن مكننة الزراعة، ألينتها واستدخالها في النظام الرأسمالي وما بعد الرأسمالي أو النيوليبرالي. ذلك أنه لم يعد من حاجة هنا لأعمال البشر، طاقتهم وجهدهم واجتماعهم ومجتمعهم. فسكان هذه البيوت القديمة، الذين ربما كانوا كثيرين هنا في أزمنة خلت، أزمنة البطء القديم وقدامى الرعاة والفلاحين والمزارعين، كانوا يعيشون منكفئين في هذه الأمداء، ويستحيل تخيُّل أنهم هم من صنعوا أو هندسوا هذا العالم الزراعي المترامي الأرجاء. فجأة أتذكّرُ سهرة من سهرات بيتية يائسة في زمن حروب سابقة في بيروت، حينما مرت على شاشة التلفزيون دعاية لأجبان "البقرة الضاحكة" في سهوب خضراء، فقلت لصديق في تلك السهرة: لو أننا أبقارٌ سارحة هانئة في تلك المراعي الهولندية. بعد عقود ها أنا أجلسُ خلف زجاج نافذة قطار سريع، وأحدّق ساهمًا في سهول النورماندي ومزارعها وأبقارها، وأحلم بحياة ليست بلا حروب، بل بلا اجتماع ومجتمع، أبصر مشاهد غيابهما تتلاحق سريعًا أمامي: مدىً شاسع من حقولِ أخضر النبات وأصفره، كأنما الصمت أنبتها وهندسها ويحرسها ويعمل فيها. بلا حاجة لبشر، ولا لمخيلة فان غوغ الخالدة (1853- 1890) وريشته وألوانه. ولا لريشه كلود مونيه (1840- 1926) ومتحفه البيتي الخالد في بلدة جيفرني في النورماندي على مسافة 80 كلم من باريس. لا شيء يميّز حقول النورماندي عن المنبسطات الزراعية المترامية في البلاد الهولندية المنخفضة، ولا عن تلك التي يطل عليها منزل الكاتب الألماني صاحب نوبل للآداب هنريش بول (1917- 1985) في بلدة ريفية بورجوازية في مقاطعة كولن الألمانية. هنا، هناك، وهنالك، عالم فسيح على مدى البصر، مؤنس وموحش. قد يكون خاليًا من سواكَ، متاحًا ومفتوحًا لك ولسواك، ظلًا في "صحبة ظلال" (الشاعر الراحل بسام حجار: 1955- 2009). أنت من ارتضيت أن تكون ظلًا مسكونًا بالظلال والضلال، هاربًا لأيام من بلاد "مهن القسوة" (بسام حجار أيضًا). ولستَ وحدك ظلًا هنا وهناك. كثيرون مثلك يسكنون في هذه المشاهد، تسكنهم ومسكونون بها، هنا وهناك وهنالك بعيدًا. أحيانًا تبصرُ بعضهم في طريق ترابي مستقيم، لكنهم فجأة يختفون ويغيبون، فلا يتركون أثرًا ولا ظلًا خلفهم. تحدسُ أو تتخيّل أن أناسًا يقيمون في تلك المنازل المنفردة المبطّنة بدهر من صمت وكلمات. من نشاط دهري قديم، لم يعد مرئيًا منه سوى نظامه المادي المجرّد. حتى تلك النافذة التي لمحتَها مرة من بعيد في منزل إلى جانب طريق زراعي، وتراءت لك مهملة وبها خدوش من أثر هجران أو اعتداءٍ بشري، سرعان ما تبيّن لك، لما اقتربت من المنزل، أن النافذة مؤطّرة برسوم فضيّة هندسية. وفي الصمت تراءى لك أن البيوت، في أشكالها وهندستها المعمارية وبنائها وحضورها الصامت، مرايا لدواخلها ولحياة ساكنيها الغائبين أو غير المرئيين أو الظلال. مثل ذاك الصمت الجالس على مقعد خشبي شاغر قرب منزل حجري بعيد. مثل تلك المقاعد الثلاثة على شرفة ذاك المنزل. شرفة أو فسحة أرضية تنير بلاطها شمس أيلول الخريفية، وقد غادرها الجالسون عليها قبل هنيهات بلا أثر. مثل المرأتين الواقفتين تتحادثان، ممسكتين بمقودَي دراجتيهما الهوائيتين، على درب الحقول، غير بعيد من بيوت، وخلفهما حقول مترامية حتى الأفق الموشّح بغيوم بيضاء. مثل سنجاب صغير يتقافز سريعًا على طريق إسفلتي جانبي. مثل شجرة السرو الوحيدة في قصائد بسام حجار، لكن بلا ذاك الحزن الجنائزي المقيم. مثل تلك المقبرة غير المسوّرة، المرسومة بعشب ورخام في مشهدها المشمس إلى جانب طريق بلدة صغيرة... وتتخيّل أن زوار موتاهم يأتون إلى المقبرة في عطلة نه