في الوقت الذي تتكاثر فيه المؤشرات على احتدام التنافس الإقليمي والدولي حول سوريا، تبرز تركيا وإسرائيل كطرفين يملكان مصالح متعارضة، لكن لا يبدو في الوقت نفسه، أنهما أمام خيار الذهاب إلى مواجهة عسكرية مباشرة. فالأولى تسعى إلى تثبيت نفوذها داخل سوريا وإعادة تشكيل مؤسساتها العسكرية والإقتصادية، فيما تعمل الثانية على منع أي تغيير في ميزان القوى يمكن أن يقيّد حرية عملها العسكري أو يمسّ بتفوقها الجوي. وبين هذين المشروعين، تتحرك الولايات المتحدة كطرف ثالث يحاول ضبط التوازنات ومنع تحول سوريا إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين القوى الإقليمية. ويستبعد العميد المتقاعد والخبير الإستراتيجي ناجي ملاعب، فرضية تحول تركيا إلى جبهة عسكرية جديدة ضد إسرائيل، مشيراً إلى أن العلاقات بين البلدين، لا تزال محكومة بمصالح إقتصادية وعسكرية متشابكة. ويستند ملاعب في قراءته إلى التاريخ الحديث للعلاقات التركية ـ الإسرائيلية، موضحاً ل"ليبانون ديبايت"، أن خط النفط الذي ينطلق من أذربيجان، مروراً بجورجيا وتركيا، وصولاً إلى ميناء إشكول في إسرائيل، والمعروف بخط باكو ـ تبليسي ـ جيهان، والذي بدأ العمل به عام 2005، ما زال يعمل، ما يعكس حجم المصالح التي حالت دون القطيعة الكاملة بين الطرفين. وعليه، فإن التوتر السياسي لا يعني بالضرورة سقوط المصالح الإستراتيجية، حيث أن تركيا وإسرائيل قد تتصارعان على النفوذ، لكنهما لا تتحركان بالضرورة نحو حرب مفتوحة. ويتحدث ملاعب عن خلاف أميركي ـ إسرائيلي في تقدير المخاطر التركية، فوفق الصحافة الإسرائيلية، فقد أعلن المبعوث الأميركي توم باراك، أن واشنطن حاولت التدخل لمنع أي صدام عسكري، وقد قال يسرائيل كاتس أن تل أبيب أبلغت واشنطن، عبر قنوات استخبارية، رفضها قيام قواعد تركية في سوريا أو نشر صاروخ واحد يمكن أن يحدّ من تفوقها الجوي، وأن عدم حصولها على إجابة واضحة دفعها إلى اعتماد خيار التحرك الإستباقي. لكن قراءة هذه التطورات باعتبارها مقدمة لحرب تركية ـ إسرائيلية قد تكون مضللة، لأن الخلاف الحقيقي، بحسب ملاعب، يدور حول قواعد النفوذ العسكري في سوريا، وما إذا كانت تركيا ستنجح في إعادة بناء جيش سوري يمتلك قدرات عسكرية مستقلة، وما إذا كانت إسرائيل ستقبل بوجود قوة إقليمية قادرة على الحد من حرية طيرانه. في هذه المعادلة، يحتل الدور الأميركي موقعاً مركزياً، حيث يرى ملاعب أن واشنطن تريد الحفاظ على سوريا كدولة واحدة، حتى لو كانت دولة ضعيفة في المرحلة الأولى، مع منع تفككها إلى كيانات مستقلة. ويشير إلى طرح الباحث مايكل يونغ حول سوريا باعتبارها "حدوداً بلا دولة"، معتبراً أن المفارقة الحالية تتمثل في وجود دولة سورية، لكن مع استمرار تعرض حدودها لتدخلات ونفوذ عسكري خارجي. ومن هذا المنطلق، فإن الولايات المتحدة، يقول ملاعب، رفضت إخراج الأكراد من الدولة السورية، فيما يدخل مستقبل السويداء ودرعا والمنطقة الشمالية الشرقية ضمن معركة أكبر تتعلق بالحفاظ على وحدة الأراضي السورية، سيما وأن براك أعلن أن الجولان هي أرض سورية، وهذا يعكس حرص واشنطن على بقاء سوريا دولة موحدة، وعدم تحويل المرحلة الإنتقالية إلى فرصة لإعادة رسم حدودها. وعن أسباب القلق الإسرائيلي، يحدد ملاعب المسألة في عاملين أساسيين، الأول هو التفوق الجوي الإسرائيلي والإحتفاظ بحرية تنفيذ عملياتها العسكرية داخل سوريا من دون أن تواجه منظومات دفاع جوي أو صواريخ يمكن أن تفرض قيوداً على حركة طائراتها، والثاني هو مستقبل الجيش السوري. فتركيا، وفق ملاعب، كانت طرفاً رئيسياً في دعم وتدريب وتسليح الفصائل التي خرجت من إدلب لتصبح جزءاً من السلطة الجديدة، وهي مرشّحة للعب دور مؤثر في إعادة هيكلة الجيش السوري والإقتصاد، وهنا تحديداً تتقاطع المصالح وتتصادم، لأن تركيا تريد سوريا قابلة للحياة وقادرة على بناء مؤسساتها تحت نفوذ تركي واسع، بينما تريد إسرائيل ألا تتحول هذه الدولة إلى قوة عسكرية قادرة على تهديدها أو تقييد عملياتها. غير أن الخلاف لا يقتصر على مسألة القواعد والأسلحة، لأن ملاعب يرى أن إسرائيل قد تعمل على إبقاء سوريا في حالة من التشرذم السياسي والأمني، من خلال تشجيع أو استثمار الإنقسامات الداخلية، مشيراً إلى تطورات السويداء وإمكان امتدادها إلى درعا، فضلاً عن احتمال الربط بين مناطق النفوذ الكردية في الشمال الشرقي والجنوب عبر منطقة التنف. ومن هنا، يتوقع ملاعب نشوء نوع من التفاهم غير المباشر على الخطوط الحمراء، فتحصل تركيا على مساحة واسعة من النفوذ السياسي والعسكري والإقتصادي، مقابل عدم تحويل وجودها في سوريا إلى تهديد مباشر لإسرائيل، وإسرائيل تقبل بتوسع الدور التركي، طالما بقي التفوق الجوي الإسرائيلي خارج دائرة الخطر. وفي السياق، يلفت ملاعب إلى الحديث عن مقاتلات "إف ـ 35"، فيضعه ضمن السياق الأوسع للصراع على التفوق الجوي وال