تفتح وثائق إسرائيلية أصلية، كُشف عنها بعد 3 سنوات على هجوم 7 تشرين الأول، مواجهة جديدة حول مسؤولية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن الإخفاق، بعدما أظهرت مقارنة بين هذه الوثائق وبين النسخة التي قدمها نتنياهو لمراقب الدولة حذف عبارات وتحذيرات أساسية، بعضها يتعلق بالدعوة إلى ضرب حماس، وبعضها الآخر بتحذيرات من احتمال اندلاع مواجهة متعددة الجبهات تشمل لبنان وإيران. وبحسب تحقيق للصحافيين رونين بيرغمان ويوفال روبوفيتش في صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية، سيُنشر كاملاً نهاية هذا الأسبوع في ملحق "7 أيام"، فإن مقارنة وثيقة نتنياهو المؤلفة من 55 صفحة بالوثائق الأصلية ومحاضر الاجتماعات والشهادات تكشف، وفق التحقيق، "حذفاً وتشويهاً وتلاعباً وأحياناً أكاذيب مباشرة"، ولا سيما في القضايا المتعلقة بالسؤال الأكثر حساسية: من حذّر؟ من أوصى بالهجوم؟ ومن أمر بالحفاظ على الهدوء؟ ويشير التحقيق إلى وثيقة مؤرخة في 3 تشرين الأول 2023، قبل 4 أيام من الهجوم، ورد فيها توصيف لرئيس شعبة الأبحاث في الاستخبارات العسكرية "أمان"، العميد الراحل عميت ساعر، أوصى فيه بـ"الحفاظ على سياسة صفر صواريخ دقيقة في قطاع غزة، حتى بثمن يوم من القتال"، في سياق الحديث عن منع حماس من امتلاك صواريخ وقذائف دقيقة. لكن في النسخة التي قدمها نتنياهو، بقي فقط التقدير الوارد في الوثيقة بأن حماس تتعاظم "بانحدار معتدل"، فيما اختفت التوصية بالتحرك حتى بثمن التصعيد. ويعرض نتنياهو نفسه، بحسب التحقيق، باعتباره الطرف الذي دفع نحو عمليات اغتيال، في مواجهة مؤسسة أمنية عرقلته. إلا أن الوثائق الأصلية، كما ورد في التحقيق، تقدم صورة مختلفة. ففي 6 نيسان 2023، أوصى رئيس "الشاباك" رونين بار ورئيس الأركان هرتسي هاليفي بتنفيذ عمليات تصفية في غزة. وفي 9 أيار، قال نتنياهو خلال جلسة المجلس الوزاري الأمني المصغر: "لا مصلحة لنا في الدخول في مواجهة مع حماس"، وربط الاستعداد لاغتيال مسؤولين كبار بانضمام حماس إلى القتال. وفي 21 أيار، كان رئيس "الشاباك" أكثر وضوحاً، إذ قال: "يجب الاستعداد لعملية في قطاع غزة: ضربة افتتاحية + جولة اغتيالات". وحذّر بار من أنه "لن يكون هناك مفر من مواجهة في غزة". لكن نتنياهو رأى خلاف ذلك، قائلاً: "يوجد حالياً ميزان ردع قوي أمام حماس"، ورفض الموافقة على العمليات المقترحة. وفي التوجيه السياسي الصادر في 2 تموز، حُدد الهدف في غزة بالقول: "جهد للحفاظ على تهدئة طويلة المدى - ساحة ثانوية"، وهو ما يتعارض، بحسب التحقيق، مع ادعاء نتنياهو بأنه لم يوجّه يوماً إلى سياسة "الهدوء". وفي 21 آب، حذّر "الشاباك" من أن "العجز في الردع يتزايد". وفي اليوم نفسه، قال رونين بار لنتنياهو: "يجب المبادرة إلى ضرب غزة وفرض شرط واضح لوقف توجيه العمليات". لكن نتنياهو رد: "الهجوم في غزة ربما يساعدنا، لكنه لن يحدث تغييراً ولن يبدل الاتجاه الأساسي". وفي 10 أيلول، رفع بار مستوى التحذير، قائلاً: "دولة إسرائيل موجودة في وضع أمني خطير يختلف عما عرفناه حتى الآن، وينبع من احتمال غير ضئيل لتلاحم الجبهات". ويصف التحقيق هذا التحذير بأنه تنبيه من سيناريو حرب متعددة الجبهات، وهو أحد أكثر السيناريوهات التي كانت تقلق المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. لكن نتنياهو، بعد سماع التحذير، لخّص الموقف بالقول: "الهدف - فترة أعياد هادئة قدر الإمكان"، فيما كانت التعليمات: "التهدئة". وبعد 4 أيام، وافق نتنياهو على تصفية عناصر من حماس يبادرون إلى عمليات في الضفة الغربية ويوجهونها. لكن التحقيق يلفت إلى طبيعة هذه الموافقة. فعندما قال بار إن "من الممكن تصفيتهم في مكتب داخل غزة"، سأل نتنياهو: "من الجو في غزة؟ هذا فقط إذا وقع هجوم رهيب. وإلا فمن الأفضل شيء بري". وبحسب التقرير، كان المقصود بعملية برية تحتاج إلى أشهر من التحضير إن نُفذت أساساً، فيما لم يوافق نتنياهو على عملية جوية إلا بعد بدء هجوم 7 تشرين الأول. وفي 1 تشرين الأول، قال بار: "السنوار يشعر بالقوة، يجب مواجهته"، وطلب تفعيل خطة كان "الشاباك" قد أعدها على مدى سنوات لتصفية محمد الضيف ويحيى السنوار ومسؤولين كبار آخرين. كما تحدث رئيس الأركان عن الاستعداد لمعركة واسعة في غزة، وعن حملة اغتيالات ضد ما سُمي "قيادة الضفة". أما عند نتنياهو، فكان الهدف الأعلى، وفق الوثائق، هو "السلام مع السعودية". ولم يوافق على أي من المبادرات المطروحة، وأمر بـ"إدارة شديدة الدقة والحفاظ على الاستقرار الأمني". ويصف التحقيق هذه العبارات بأنها صياغة دبلوماسية لسياسة "صفر مبادرة هجومية". وتبرز في الوثائق أيضاً قضية التقرير السنوي الخاص بالساحة الفلسطينية، الذي أرسله العميد عميت ساعر إلى نتنياهو. فالنسخة التي عرضها نتنياهو اقتبست العبارة: "الفلسطينيون لن يكونوا القوة المحركة خلف حرب متعددة الجبهات...".