بعد 3 سنوات على هجوم 7 تشرين الأول 2023 والحرب التي تلته، تكشف الأرقام الإسرائيلية فجوة واضحة بين مساري التعافي في الجنوب والشمال: بلدات غلاف غزة تستعيد سكانها ونشاطها الاقتصادي بوتيرة متسارعة، فيما لا تزال بلدات الحدود مع لبنان تعاني عودة جزئية للسكان واقتصاداً لم يسترد عافيته، رغم مليارات الشواكل التي خُصصت لإعادة الإعمار. وبحسب تقرير للصحافي عيدان أرتس في صحيفة "غلوبس"، تجاوزت قيمة الأضرار المباشرة التي عوّضت عنها سلطة الضرائب الإسرائيلية خلال سنوات الحرب الـ3 أكثر من 8 مليارات شيكل، إلا أن الغوص في البيانات يكشف تفاوتاً كبيراً في وتيرة إعادة التأهيل بين منطقتي الجنوب والشمال. وبعد 3 سنوات على هجوم 7 تشرين، عاد معظم سكان غلاف غزة إلى منازلهم، فيما لا تزال العودة جزئية أو لم تبدأ بعد في 4 بلدات من بلدات الغلاف. ورغم حجم الدمار والصدمة التي خلّفتها الحرب، يشير التقرير إلى بداية عملية تعافٍ ملموسة في الجنوب، مع نمو عدد السكان واتساع النشاط الاقتصادي وعودة مزيد من الإسرائيليين إلى الاستقرار الدائم في المنطقة. أما في شمال إسرائيل، وعلى الحدود مع لبنان المعروفة إسرائيلياً بـ"خط المواجهة"، فقد أُخليت عشرات البلدات، ولم تبدأ العودة إليها إلا أخيراً، فيما لا تزال محدودة، ولم يتمكن النشاط الاقتصادي حتى الآن من استعادة مستوياته السابقة. ويشير التقرير إلى وجود فروق موضوعية بين المنطقتين، أبرزها أن المسافة بين غلاف غزة والمركز الاقتصادي الإسرائيلي في منطقة تل أبيب أقصر بكثير من المسافة التي تفصل الشمال عن المركز، إضافة إلى أن المواجهة العسكرية في الشمال استمرت بكثافة عالية لفترة أطول، بما في ذلك تدخل حزب الله في المواجهة مع إيران. لكن العامل الجغرافي والأمني لا يفسر وحده هذا التفاوت. فقد أُنشئت "مديرية تكوما" لإعادة إعمار غلاف غزة منذ تشرين الأول 2023، وبدأت العمل سريعاً وحصلت على الأدوات والصلاحيات اللازمة لتقليص المسارات البيروقراطية والتنظيمية. في المقابل، لم يحصل مقر تنفيذ إعادة إعمار الشمال على أدوات مماثلة، كما واجه رئيسه آنذاك، اللواء في الاحتياط إليعازر "تشيني" ماروم، انتقادات واسعة بشأن أدائه. وفي نهاية عام 2024، وبعد نحو نصف عام فقط على تعيينه، استقال ماروم من منصبه، إلا أن التأخير الحكومي استمر. ولم تُنشأ مديرية "تنوفا" الجديدة الخاصة بالشمال إلا في نهاية عام 2025، قبل أن تُدمج عملياً مع مديرية "تكوما" الخاصة بالجنوب تحت إدارة واحدة يرأسها المدير العام السابق لوزارة الإسكان أفيعاد فريدمان. أما الخطة المحدثة لإعادة إعمار بلدات الشمال وتحفيز نموها فلم تُقر إلا في حزيران 2026. وأدى هذا التأخير، وفق التقرير، ليس فقط إلى إبطاء إعادة الإعمار، بل أيضاً إلى تأخر جمع المعلومات الضرورية للتخطيط لها. وفي حالات كثيرة، تتوافر بشأن بلدات الجنوب بيانات حديثة ومفصلة بسهولة، بينما لا توجد معلومات بالمستوى نفسه عن الشمال. وتظهر بيانات جديدة لسلطة الضرائب الإسرائيلية حجم التعويضات المباشرة وغير المباشرة التي خلفتها الحرب. ورغم أن الحرب في الشمال استمرت مدة أطول، فإن الدمار المباشر في الجنوب كان أشد. وخلال حرب "السيوف الحديدية"، بما يشمل المواجهات مع إيران، استقبلت مراكز سلطة الضرائب في طبريا وعكا وكريات شمونة مجتمعة 42,663 مطالبة بالتعويض، مقابل 61,085 مطالبة في مركز عسقلان وحده. أما إجمالي التعويضات عن الأضرار المباشرة على مستوى إسرائيل، من دون تقسيمها بحسب المراكز، فبلغ نحو 8.3 مليارات شيكل. وفي الأضرار غير المباشرة، تبدو الصورة مختلفة. فقد بلغ إجمالي التعويضات المدفوعة لبلدات غلاف غزة نحو 2.3 مليار شيكل، في حين وصل المبلغ المدفوع لبلدات الشمال إلى نحو 4.1 مليارات شيكل. ويربط التقرير ارتفاع كلفة الضرر غير المباشر في الشمال باستمرار الحرب هناك فترة أطول، ما أخر عملية التعافي وأحدث أضراراً طويلة المدى في البيئة الاقتصادية والتجارية. وفي ملف ميزانيات إعادة الإعمار، خُصص للجنوب 17.2 مليار شيكل، مقابل 13.4 ملياراً للشمال. لكن الفارق يظهر بوضوح في التنفيذ الفعلي. ففي الشمال، نُفذت ميزانيات بقيمة 6.1 مليارات شيكل، أي أقل من نصف ما جرى إقراره، مقابل نحو 11.6 مليار شيكل في الجنوب، أي ما يقارب ثلثي مجمل الميزانية المخصصة له. ويعني تنفيذ هذه الأموال على الأرض، وفق التقرير، إقامة بنى تحتية وتمويل برامج في التعليم والصحة والسياحة والإسكان والرعاية الاجتماعية. ويرجع جزء من التأخير في الشمال إلى العدد المحدود من الوظائف داخل المديرية الأصلية، قبل أن يتم توسيع هيكلها لاحقاً. ولخفض النفقات العامة وتحسين الكفاءة، دُمجت إدارياً مديريتا الشمال والجنوب. كما يفترض أن ينتهي برنامج إعادة إعمار الجنوب في عام 2028، فيما تمتد خطة الشمال حتى ع