تدخل الحرب على لبنان عامها الرابع بأشرس صورها، في ظل واقع أمني وسياسي معقد يضع البلد بأسره أمام اختبار وجودي غير مسبوق منذ إعلان دولة "لبنان الكبير" الذي مرت عليه اليوم مئة عام. ففيما تعيد إسرائيل ترسيم الخريطة الديموغرافية والجغرافية للجنوب اللبناني بالبارود والسواتر الترابية، وتعلن جهاراً أن عملية تفكيك بنية "حزب الله" وتعطيل تهديداته "ستستغرق سنوات"، يكشف المشهد اللبناني عن سباق محموم بين التمدد الميداني لآلة الحرب الإسرائيلية ومحاولات الإنقاذ السياسية والدستورية التي يقودها لبنان الرسمي، وعبر عنها رئيس الحكومة نواف سلام، في حديثه عن ترميم مفهوم الدولة والسيادة. وتُظهر التطورات الميدانية والمواقف الصادرة عن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تحولاً جذرياً في استراتيجية التعامل مع جبهة لبنان، إذ لم تعد تل أبيب تبحث عن "حسم سريع"، بل باتت تعتمد استراتيجية البقاء المفتوح في شكل علني. وفي الساعات الأخيرة، توغلت آليات إسرائيل في بلدات خط المواجهة مثل صربين، وبيت ليف، وبرعشيت، وكونين، بالتوازي مع شق طرق عسكرية، ما يؤكد رغبة إسرائيل الجامحة في شل الحياة في أكثر من 60 قرية جنوبية. وتُشكل تصريحات القيادة الإسرائيلية عن تفضيل "غياب قوات اليونيفيل" رسالة صريحة برفض أي رقابة دولية، ورغبة في حصر القرار جنوباً باليد العسكرية الإسرائيلية منفردة، بعيداً من أطر القرار 1701. ورصد أبناء الجنوب طائرات مسيّرة متطورة من طراز Orbiter 3/4 فوق أجواء المنطقة يعكس مسعى إسرائيلياً لتثبيت مسح استخباري وجوي دائم. وفي توقيت حساس، جاء الحديث الذي نقلته "رويترز" اليوم عن أن حزب الله تلقى 200 مليون دولار من إيران لإيواء النازحين اللبنانيين في أول دعم من نوعه خلال الحرب. وقالت مصادر للوكالة إن إيران اضطرت لدفع 4 أمثال الرسوم المعتادة لإيصال الأموال لحزب الله بسبب "ارتفاع المخاطر". وثمة اعتقاد بأن إسرائيل ستستغل واقع استمرار حصول الحزب على أموال إيرانية، ولو لغايات إيواء النازحين، لرفع مستوى الضغط بدعم من الولايات المتحدة. وسط هذا التداعي، يبرز الحراك السياسي الداخلي الذي يقوده رئيس الحكومة من منطلق مراجعة مئوية الدستور اللبناني وتفعيل اتفاق الطائف، حيث يرتكز مشروع الإنقاذ الحكومي على ثلاثة ثوابت رئيسية هي: أولاً، التأكيد الصريح على أن سيادة الدولة لا تكتمل إلا بأن تكون قرارات السلم والحرب حكراً على المؤسسات الدستورية، ورفض وجود أي مصدر للسلطة أو السلاح خارج نظام الدولة. وثانياً، الدعوة إلى إنهاء الانتقائية في تطبيق الدستور، وبسط سلطة الجيش والقوات الشرعية على كامل التراب اللبناني، باعتباره الشرط الأساسي الذي "لا قيامة حقيقية للدولة من دونه". وثالثاً، حماية "لبنان الكبير". إسرائيل تنتقل من الحرب إلى هندسة الجنوب المشكلة، في الذكرى الثالثة لـ"طوفان الأقصى"، لم تعد في حجم النار الإسرائيلية وحده، بل في طبيعة الهدف الذي باتت هذه النار تخدمه. فحين يقول مصدر عسكري إسرائيلي إنّ البنى التحتية لـ"حزب الله" موجودة جنوب "الخط الأصفر" "في كل مكان"، وإنّ البحث عنها وتفكيكها يحتاج إلى سنوات، تصبح "السنوات" نفسها جزءًا من العقيدة العملياتية الجديدة. أي إنّ الاحتلال لم يعد يُقدَّم إسرائيليًا كحالة استثنائية مرتبطة بعملية محدّدة، بل كإطار زمني مفتوح يتيح مواصلة التوغّل والبحث والتدمير وإعادة تشكيل المجال الحدودي. وهذا تحديدًا ما يمنح الموقف الإسرائيلي من "اليونيفيل" دلالته السياسية. فالقول إنّ وجود القوة الدولية "يضرّ إسرائيل أكثر ممّا يفيدها"، وإنّ تل أبيب تفضّل غيابها، لا ينفصل عن السعي إلى تحرير الحركة العسكرية الإسرائيلية من أي شاهد دولي أو إطار ميداني يقيّدها. وبين الشقوق العسكرية الجديدة، والسواتر، والطرق التي تُفتح داخل الأراضي اللبنانية، والمراقبة الجوية المتواصلة، تبدو إسرائيل كأنها تعمل على تحويل منطقة واسعة من الجنوب إلى حزام أمني جديد، حتى لو لم يحمل هذا الاسم رسميًا. وفي المقابل، فإنّ إسرائيل نفسها لم تستعد ما فقدته على جبهتها الشمالية. فبعد ثلاث سنوات، لا تزال مسألة عودة الحياة الطبيعية إلى المستوطنات المحاذية للبنان موضع شك. وقد كشفت تقارير إسرائيلية عن تراجع الانطباع الإيجابي تجاه الجليل، فيما أصبح وجود غرفة محصّنة داخل المنزل شرطًا للعودة لدى بعض العائلات. وإلى جانب إعادة نشر القوات وتعزيز منظومات الإنذار، نقل الجيش الإسرائيلي سرب المروحيات القتالية 190 إلى قاعدة رامات دافيد في الشمال لتقليص زمن الاستجابة، في اعتراف ضمني بأنّ جبهة لبنان باتت جزءًا ثابتًا من عقيدة ما بعد السابع من تشرين الأول، لا ملفًا عابرًا يمكن إقفاله بوقف نار تقني. وهنا تكمن المفارقة: إسرائيل توسّع قبضتها داخل الجنوب اللبناني بهدف إعادة الأمن إلى الشمال الإسرائيلي، لكنها، بعد ثلاث سنوا