بيروت — في وقت يحاول فيه لبنان الخروج من سنوات الحرب والأزمة الاقتصادية والانقسام السياسي، يضع النائب رازي الحاج القضية في صيغة أكثر حدة، المعركة لم تعد حول سلاح مليشيا حزب الله فحسب، بل حول ما إذا كانت الدولة اللبنانية قادرة فعلاً على استعادة قرارها في الحرب والسلم. وفي مقابلة مع Suroyo TV Lebnon، قال الحاج، عضو تكتل “الجمهورية القوية”، إن استمرار السلاح خارج مؤسسات الدولة يهدد بإبقاء لبنان عالقاً في دائرة الحرب، منتقداً ما وصفه بتباطؤ السلطات في الانتقال من إعلان مبدأ حصرية السلاح إلى تطبيقه على الأرض. لكن ثلاث نقاط في حديثه بدت أكثر دلالة من غيرها. المقاومة لم تعد توفر الحماية التي وعدت بها الحاج شن هجوماً مباشراً على المعادلة التي قامت عليها استراتيجية مليشيا حزب الله الإرهابية لعقود، والقائمة على أن امتلاك ترسانة عسكرية خارج الدولة قادر على ردع إسرائيل وحماية لبنان. وقال إن التطورات العسكرية الأخيرة أظهرت، في رأيه، أن هذه النظرية لم تعد قابلة للدفاع عنها عملياً، مشيراً إلى حجم الخسائر البشرية والدمار الذي لحق بجنوب لبنان والضاحية ومناطق أخرى، وإلى استهداف قيادات بارزة في حزب الله ووصول القوات الإسرائيلية إلى مناطق داخل الجنوب. وقال الحاج إن السلاح لم يتمكن من “منع الحرب عن لبنان” ولم يحقق “توازن الرعب” الذي جرى الترويج له لسنوات. غير أن اللافت في طرحه أنه لم يقدم المسألة باعتبارها مواجهة طائفية، بل دعا، على نحو متكرر، إلى أن يكون السؤال مطروحاً داخل البيئة الشيعية نفسها: ماذا حققت استراتيجية حزب الله للبنانيين بعد أربعة عقود؟ وقال إن الشيعة اللبنانيين، بوصفهم جزءاً أساسياً من المجتمع اللبناني، يستحقون أن يجربوا خيار الدولة بعدما جُرّب خيار مليشيا حزب الله ذراع إيران في لبنان لعقود. حصرية السلاح ليست مجرد تسليم صاروخ أو بندقية النقطة الثانية الأكثر إثارة في المقابلة كانت تعريف الحاج لما يعنيه فعلياً نزع السلاح. فهو رفض اختزال العملية في تسليم الأسلحة الثقيلة إلى الجيش اللبناني، معتبراً أن حزب الله ليس مجرد مخزون من الصواريخ والمدافع، بل تنظيم يمتلك بنية أمنية واستخباراتية ولوجستية وعسكرية متكاملة. وقال إن المطلوب هو “تفكيك التنظيم نفسه”، وليس انتظار أن يقوم عناصره بتسليم قطعة سلاح تلو الأخرى. ومن هنا وجه الحاج انتقاداً مباشراً إلى أجهزة الدولة، متسائلاً عما إذا كانت الأجهزة الأمنية والعسكرية تراقب البنية العملياتية لميليشيا الحزب، بما في ذلك شبكات الإمداد والتنسيق والاجتماعات المرتبطة بالنشاط العسكري. وحذر من أن ربط تنفيذ حصرية السلاح بمسارات إقليمية، مثل الانسحاب الإسرائيلي أو المفاوضات الأمريكية ـ الإيرانية، قد يحول الوقت إلى أداة تستخدمها الأطراف المسلحة لإعادة ترتيب صفوفها. وقال إن الدولة لا تستطيع أن تبقى في موقع الانتظار، لأن «الانتظار ليس مجانياً» في بلد يعاني أزمة اقتصادية واجتماعية عميقة، ويواجه موجات هجرة وفقر وتراجعاً في قدرته على الاحتفاظ بسكانه. لبنان ليس بلد تسويات ولا بلد ترقيع أما أكثر أجزاء المقابلة حدة فجاءت عندما انتقل الحاج من الحديث عن السلاح إلى طبيعة النظام السياسي نفسه. فهو رفض أن تتحول التسويات السياسية إلى وسيلة لتجنب المحاسبة، وقال إن لبنان لا يستطيع، في المرحلة المقبلة، أن يدار بالمنطق الذي حكمه خلال سنوات الوصاية والحرب وما بعدها. وقال “لبنان ليس بلد تسويات، لبنان ليس بلد ترقيع”. وأضاف أن هناك من يجب أن يتحاكم ومن يجب أن يتحاسب، وأن الدولة لا يمكن أن تستعيد هيبتها إذا ظلت تتعامل مع القوى التي تتحدى سلطتها بمنطق تدوير الزوايا. بالنسبة إلى الحاج، القضية إذاً تتجاوز حزب الله نفسه. إنها اختبار لهيبة الدولة فمن يقرر الحرب؟ من يحتكر السلاح؟ ومن يملك حق رسم السياسة الخارجية والأمنية للبنان؟ وفي هذا السياق، اعتبر أن المفاوضات مع إسرائيل تمثل مساراً ضرورياً، لكنه حذر من أن تتحول المفاوضات إلى بديل عن بناء دولة قادرة على اتخاذ قراراتها بنفسها. وختم الحاج رسالته السياسية من موقع واضح الدولة التي تعلن حصرية السلاح عليها أن تذهب أبعد من البيانات والخطابات، وأن تثبت أن السلطة تعني القرار والتنفيذ والمحاسبة. تبدو رسالة الحاج أقرب إلى طرح السؤال الأصعب هل يستطيع لبنان، هذه المرة، أن يبني دولة لا تحتاج إلى تسوية جديدة كلما اصطدمت بواقع السلاح خارج مؤسساتها؟