افتتح وزير الثقافة الدكتور غسان سلامة اليوم في المكتبة الوطنية، معرض الوثائق "بين سطور الدستور"، بمناسبة مئوية دستور 1926، برعاية رئيس مجلس الوزراء نواف سلام وحضوره، بمشاركة شخصيات رسمية وديبلوماسية. وتوقف سلامة عند "خمس معضلات أساسية طبعت التجربة الدستورية اللبنانية على مدى قرن، بدءا من معضلة التوازن بين حقوق الأفراد وحقوق الجماعات، وصولا إلى العلاقة بين المركزية واللامركزية"، مشيرا إلى أن "دستور 1926 هو دستور مركّب لم يتعامَ عن الهويات كما فعلت الدساتير الأوروبية بنظرية "ستار التعامي" لجون رولز، بل اعترف بها في المادة 95". وأكد أن "هدف المعرض ليس الاحتفال بورق قديم، بل نشر الثقافة الدستورية بين الشباب، وتذكيرهم بأن الدولة الراسية على دستور عمره مئة عام هي وحدها الضامن لحرياتهم وحقوقهم"، لافتا إلى أن "أكثر من نصف الوثائق المعروضة تُعرض للمرة الأولى، وهي من محفوظات الأرشيف الوطني وأرشيف الخارجية الفرنسية والمكتبة الشرقية". ومما قال سلامة: "يشير جون رولز، الفيلسوف، في كتابه المعروف "نظرية العدالة" الصادر عام 1971 إلى أمر في غاية الأهمية بالنسبة لرؤيتنا. يشير إلى أن فكرة الدولة المعاصرة كما نشأت في أوروبا كانت تتضمن أمرا إيجابيا وهو فكرة الدولة والمواطن والعقد الاجتماعي بينهما. وكانت تتضمن أيضا شيئا مسكوتا عنه، وهو فكرة التعامي عن أصول المواطنين، أي أن الدولة المعاصرة أو الدولة الحديثة كانت تتجاهل عمدا انتماء أفراد الدولة إلى جماعات إثنية أو لغوية أو دينية أو طائفية، ويسمى ذلك "ستار التعامي" أو حجاب الجهل". أضاف: "دستورنا الذي نشأ عام 1926 لا يتعامى. هو أخذ فكرة الدولة الحديثة لكنه أضاف شيئا ما للأصول والهوية، وذلك من خلال تأكيده على حقوق الأفراد كما هو الحال في الدول الحديثة. ولقد وضعنا حقوقهم على الجدار الذي ستذهبون إليه نحو المعرض، ولكنه أيضا أشار إلى حقوق الجماعات، لا سيما في المادة 95". وتابع: "إذن نحن أمام دستور مركّب وليس أمام دستور عادي للدولة الحديثة، ولكن هذا يخلق معضلة، معضلة التوازن الدائم بين حقوق الأفراد وحقوق الجماعات. وربما أن تاريخنا المعاصر خلال قرن من الزمن هو نوع من شد الحبال باستمرار بين حقوقنا كمواطنين وبين انتماءاتنا إلى جماعات. أحيانا ينتصر منطق الدولة ومنطق المواطنة، وأحيانا أخرى يتفوق منطق الجماعات. وسيبقى البحث عن توازن بين شيء لم نتعامَ عنه كما قال جون رولز وبين حقوقنا كمواطنين، سيبقى هذه المعضلة قائمة ربما لفترة طويلة". وقال: "المعضلة الثانية التي نراها في دستورنا هي أنه دستور يتحدث عن تنظيم الأمور في أحكام ثابتة لكنه يضم أيضا أحكاما انتقالية. يقول لفترة مثلا في المادة 24 حول انتخاب أعضاء مجلس النواب، أو طبعا في المادة 95 حول موضوع الطائفية. هناك أحكام دائمة: حقوق المواطنين وحرياتهم الأساسية والنظام السياسي، لكن يبدو وكأن الدستور في روحه يصبو إلى شيء مختلف، فيقول لمرحلة من الزمن يتم انتخاب أعضاء مجلس النواب بهذه الطريقة لكن في مرحلة لاحقة يجب أن يتم بطريقة أخرى". أضاف: "نقطة المعضلة الثالثة كما أراها هي أن هذا الدستور يتحدث وفق فكرة الدولة المركزية ونحن توافقنا في اتفاق الطائف على السعي نحو اللامركزية. وأعتقد أن هذا الأمر مهم للتوقف عنده ولو بعض الشيء لأنه أيضا مصدر معضلة. في حقيقة الأمر أن خمسين عاما من التقاتل الداخلي ومن الغزوات الخارجية ومن الوصايات الخارجية على تنوعها أفقدت كثيرا السلطة المركزية من هيبتها ومن قدرتها ومن فعاليتها". وتابع: "المعضلة الرابعة هي أن الدستور نص سامٍ لكنه ليس كتابا مقدسا. كل دساتير العالم تتضمن مواد لتعديلها ونحن قمنا بالتعديل مرارا، أحيانا لأسباب وطنية سامية كما يوم الاستقلال، وأحيانا لتسويات سياسية حصلت خارج الإطار الدستوري وأحيانا لأهداف أخرى. تعديل الدستور أمر شرعي والتفكير فيه أمر شرعي لكن ما علينا أن نتفق عليه مسبقا هو متى وكيف وفي أي ظرف والأهم بأي هدف. إن كان هدفنا تغيير المرايا في التوازنات الداخلية بين الجماعات، إن كان هدفنا تسوية ظرفية أخرى فالتعديل ربما غير مرحب به، لكن إن كان التعديل هو لمزيد من فعالية الدستور لتعزيز وضع المؤسسات فيجب أن نفكر فيه. المسألة هنا هي في الحافز للتعديل، هل هو حافز وطني شامل، أو هو حافز فئوي ضيق". وقال: "أما المعضلة الخامسة فهي مثيرة للتفكير منذ زمن طويل عندي على الأقل. لقد لعب الفرنسيون ضمن أيام الانتداب سنة 26 بعض الدور في صياغة هذا الدستور لكن الصياغة الحقيقية صاغها لبنانيون وسُئل رأي نحو 300 من اللبنانيين الآخرين. لكن من غريب الأمور أن الجمهورية الثالثة الفرنسية التي كانت قائمة عند ذلك وكانت قد أنشأت نظاما برلمانيا متطرفا في برلمانيته، عندما جاءت إلى لبنان على العكس مما أقرأ هنا وهناك، لم تصدر دستورها إلى لبنان، فقد أ