في بلد تتعدد فيه مصادر المعلومات والروايات، وتتداخل فيه الحدود بين الصحافة وصناعة المحتوى، لم يعد السؤال يقتصر على كيفية وصول المعلومة إلى الجمهور، بل على كيفية تأثيرها فيه، ومن يملك القدرة على تشكيل قناعاته ورؤيته للأحداث. من هذه الزاوية، ناقشت ندوة "الثقة، الحقيقة والتأثير" دور وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الرأي العام والروايات السياسية، وذلك ضمن "منتدى حوكمة الإنترنت في لبنان 2026"، وبالشراكة بين الجامعة اللبنانية والمديرية العامة للأمن العام. بالنسبة إلى النائبة نجاة صليبا، تبدأ المشكلة من المعلومة نفسها. فكثير مما يتداول على المنصات الرقمية يأتي "طائراً في الهواء"، من دون أن يكون واضحاً مصدره أو الجهة التي تقف خلفه أو الأساس الذي يستند إليه. وفي السباق على جذب الجمهور، يصبح الشكل أحياناً أهم من المضمون، فيما تتراجع الأسئلة الأساسية التي يفترض أن تسبق نشر أي معلومة. وتلفت صليبا إلى أن المنصات نفسها تحتاج إلى رعاة وممولين كي تستمر، وهو ما يفتح باباً آخر من الأسئلة حول استقلالية المحتوى. فإذا كان التمويل قادراً على التأثير في وسائل الإعلام التقليدية، فكيف يمكن للقارئ أن يعرف حدود هذا التأثير في المنصات الرقمية؟ ومن يضمن أن الخبر الذي يصل إليه لم يتأثر بالجهة التي تموّله أو تدعمه؟ في المقابل، لا يمكن تجاهل التحول الذي أحدثته هذه المنصات. فقد جعلت الخبر يصل إلى الجمهور بسرعة غير مسبوقة، ومن دون كلفة كبيرة، ولم يعد المواطن مضطراً إلى انتظار نشرة أو صحيفة كي يعرف ما يحدث. لكن الميزة نفسها تحمل وجهها الآخر: فكلما تسارعت دورة الأخبار، تراجعت قدرة المتلقي على التوقف عندها وفحصها. تشبّه صليبا هذا الواقع بـ"وحش جائع" لا يتوقف عن طلب المزيد. فما إن يظهر خبر حتى يخلفه عشرات الأخبار والمقاطع والمنشورات، فيجد المتلقي نفسه وسط تدفق لا ينتهي من المعلومات. وهنا لا تعود المشكلة في غياب الخبر، بل في فائضه، ولا في صعوبة الوصول إليه، بل في صعوبة تمييز ما يستحق التصديق مما لا يستحقه. تضع الأستاذة الجامعية دنيا حراجلي هذه المسألة في إطار أوسع، هو "اقتصاد الانتباه". ففي عالم تتنافس فيه ملايين المنشورات والمقاطع على عين المستخدم، لم يعد التحدي أن تصل المعلومة إلى الناس فحسب، بل أن تجعلهم يتوقفون عندها. وتشرح أن المسألة تزداد تعقيداً مع الخوارزميات التي تراقب ما يتفاعل معه المستخدم، ثم تبدأ بتقديم المزيد من المحتوى المشابه. تقول: "قد تبدو البداية متنوعة، لكن مع الوقت تضيق دائرة المعلومات، ويصبح المستخدم أكثر تعرضاً للأفكار التي تنسجم مع اهتماماته ومواقفه السابقة". بهذا المعنى، لا يعود الفرد يرى العالم كله، بل نسخة منه تشكلها الخوارزمية بناءً على سلوكه. ومع تكرار المحتوى نفسه، تتكون حالة من الاعتياد، يصبح معها تقبل المعلومات المخالفة أكثر صعوبة، خصوصاً إذا جاءت مشحونة بعنصر عاطفي. وهنا، لا ترى حراجلي أن الحل يكمن في الابتعاد عن هذه المنصات، بل في بناء قدرة أكبر على التفكير النقدي. وإذا كانت العاطفة قادرة على دفع المعلومة إلى الانتشار، فإنها تصبح أكثر تأثيراً عندما تدخل إلى ملفات تمس حياة الناس مباشرة. وهذا ما يظهر بوضوح في المجال الاقتصادي، حيث يمكن لجملة قصيرة أن تختصر قضية معقدة، وأن تتحول في لحظات إلى قناعة عامة. يشرح الصحافي الاقتصادي خالد أبو شقرا أن الاقتصاد، رغم تأثيره المباشر في تفاصيل حياة الناس، بقي لفترة طويلة بعيداً عن الجمهور بسبب مصطلحاته وتعقيداته. لذلك، أصبح أحد التحديات الأساسية أمام الصحافة الاقتصادية هو إخراج المعلومة من لغتها المتخصصة وتحويلها إلى محتوى مفهوم وقابل للتداول. من هنا جاءت محاولات تبسيط الأخبار الإقتصادية، والاستعانة بالمتخصصين بوسائل التواصل، وتحويل المضمون إلى "ريلز" وشرائح ومحتوى بصري، بحيث يصل إلى جمهور قد لا يبحث أصلاً عن خبر اقتصادي، لكنه معني مباشرة بنتائجه. لكن تبسيط المعلومة لا يحل وحده مشكلة التضليل. فالجمهور الاقتصادي يتعرض يومياً لعبارات تختزل ملفات شديدة التعقيد في جملة واحدة. انتشرت مثلاً مقولات عن أن الليرة "أصبحت بخير"، فيما كان الواقع أكثر تعقيداً. وكذلك الحال مع الودائع، حيث تنتشر عبارات من نوع "الودائع ستعود"، لأنها تقدم للناس إجابة سهلة ومطمئنة في قضية شديدة التعقيد. المشكلة، وفق أبو شقرا، أن الرواية التي تخاطب العاطفة تكون أكثر قابلية للانتشار من المعلومة التي تحتاج إلى شرح وتفاصيل. وهنا لا تعود المنصات مجرد وسيلة لنقل الرأي العام، بل تصبح بيئة تتشكل داخلها روايات متعددة، وقد يعيش كل جزء من الجمهور داخل دائرة مختلفة من المعلومات والتفسيرات. بالنسبة إلى الصحافي محمد نمر، تكمن إحدى أبرز مشكلات الإعلام الجديد في العلاقة بين السرعة والمصداقية. فالسرعة التي فرضها العالم الرقمي غيّرت د