نظّم معهد الدوحة للدراسات العليا، يوم الثلاثاء 6 أكتوبر 2026، المحاضرة الافتتاحية للعام الأكاديمي 2026–2027، والتي ألقاها المؤرخ والباحث في دراسات الإبادة الدكتور أنتوني ديرك موزس، تحت عنوان: "من نورمبرغ إلى حروب الإبادة: الجرائم الجماعية وتحديات العدالة الدولية اليوم". واستُهلت المحاضرة بكلمة ترحيبية من رئيس المعهد الدكتور عبد الوهاب الأفندي، قبل أن يتناول موزس إرث محاكمات نورمبرغ ودورها في تشكيل منظومة العدالة الجنائية الدولية، متسائلًا عن مدى استمرار صلاحية المبادئ التي أُرست في أعقابها في التعامل مع طبيعة الحروب والنزاعات الجماعية والتحولات السياسية والقانونية الراهنة. كما تطرق إلى الجدل المتصاعد حول مفهوم الإبادة، ولا سيما في سياق عمل كل من محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، موضحًا أن هذا المفهوم بات يشكّل معيارًا قانونيًا وأخلاقيًا مركزيًا، لكنه في الوقت ذاته يثير إشكاليات تتعلق بحدوده وتطبيقاته، ومدى قدرته على استيعاب مختلف أشكال العنف الجماعي. ميّز موزس وهو - أستاذ شبيتزر للعلاقات الدولية في كلية مدينة نيويورك، والزميل المتميّز (جورج سوروس) في جامعة أوروبا الوسطى في فيينا، ومحرر دورية "دراسات الإبادة الجماعية “ Journal of Genocide Research- في محاضرته بين "جريمة الإبادة"بوصفها مفهومًا قانونيًا محددًا، وبين "حرب الإبادة" بوصفها إطارًا نظريًا أوسع لفهم أنماط العنف الجماعي، مشيرًا إلى أن الاقتصار على السؤال القانوني المتعلق بإثبات جريمة الإبادة قد يحجب أشكالًا أخرى من العنف واسع النطاق، ويحدّ من القدرة على فهم طبيعة الحروب التي تستهدف المجتمعات والسكان على نطاق واسع. وتناولت المحاضرة – التي أدارتها الدكتورة ليلى عمر، الباحثة في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات- الحرب في غزة باعتبارها إحدى الحالات المعاصرة التي تختبر قدرة المفاهيم القانونية والسياسية القائمة على تفسير العنف الجماعي ومساءلته، وكذلك الجدل الدولي والأكاديمي حول توصيف ما يجري في غزة، بما في ذلك التباين بين من يصف الأفعال المرتكبة بأنها إبادة جماعية، ومن يرفض هذا التوصيف ويراها في إطار الحرب أو الجرائم الأخرى التي يمكن أن تنشأ أثناء النزاعات المسلحة. ويطرح هذا الجدل، بحسب رؤية المؤرخ موزس، سؤالًا أوسع حول مدى كفاية التصنيفات القانونية التقليدية في التعامل مع الحروب المعاصرة. وفي معرض حديثه عن غزة، ربط المحاضِر بين النقاش الراهن والتطور التاريخي لمفهوم الإبادة، مشيرًا إلى أن المفهوم في بداياته لم يكن مقصورًا على القتل الجماعي، بل شمل أنماطًا متعددة من استهداف الجماعات، بما في ذلك الأبعاد السياسية والاجتماعية والثقافية، والاقتصادية، والبيولوجية، والمادية. ويعود هذا التصور إلى النقاشات المبكرة المرتبطة بعمل ليمكين وتطور مفهوم الإبادة في القانون الدولي. وانتقد موزس التضييق الذي شهده مفهوم الإبادة في الأمم المتحدة بسبب إصرار الدول الكبرى على التفريق بين الخسائر المدنية الناجمة عن الحرب وبين الأفعال التي قد ترقى إلى جرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية. وبحسب هذه الترتيبات، برأت الدول الاستعمارية نفسها من الجرائم الكبرى التي تقع في إطار الحروب، بينما قصرت تهم الإبادة على الجرائم التي تقع ضد مدنيين بمعزل من ميدان الحرب، وعلى أساس الهوية فقط، ـمع اثبات النية. وقد استخدمت هذه التكتيكات لتبرئة دول استعمارية من عواقب حروب فيتنام، وهي تستخدم الآن في غزة. وفي ختام المحاضرة، دعا موزس إلى إعادة التفكير النقدي في الأطر المفاهيمية والقانونية التي تحكم فهم الجرائم الجماعية، وعدم الاكتفاء بالإرث التقليدي الذي تأسس عقب محاكمات نورمبرغ، والعمل في المقابل على تطوير أدوات أكثر قدرة على التعامل مع تعقيدات الحروب المعاصرة. وأكدت المحاضرة، في هذا السياق، أن التحدي الذي تواجهه العدالة الدولية لا يتعلق فقط بتحديد ما إذا كان فعل ما يندرج تحت تعريف قانوني بعينه، وإنما أيضًا بمدى قدرة المنظومة الدولية على التعامل مع أشكال العنف الجماعي التي تتجاوز الحدود التقليدية بين الحرب والجريمة والاضطهاد. وشهدت المحاضرة -التي أقيمت في مقر المعهد بحضور أعضاء من الهيئتين الأكاديمية والإدارية، وباحثي المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات وطلاب المعهد- تفاعلًا لافتًا، حيث طُرحت مداخلات وأسئلة نوعية عكست اهتمامًا عميقًا بحدود مفهوم الإبادة، وإشكاليات العدالة الانتقائية، ودور المؤسسات الدولية في التعامل مع الجرائم العابرة للحدود. وقد كانت هذه المحاضرة هي العاشرة ضمن سلسلة المحاضرات الافتتاحية السنوية التي ينظمها معهد الدوحة للدراسات العليا، في إطار تقليد أكاديمي وفكري راسخ منذ العام الأكاديمي 2017–2018، استضاف خلاله المعهد نخبة من المفكرين والباحثين والأكاديميين لمناقشة قضايا معاصرة وأسئلة