مرجعيون، جنوب لبنان 7 أكتوبر 2026 (شينخوا) من ساحة مدينة مرجعيون في القطاع الشرقي من المنطقة الحدودية بجنوب لبنان، بدأت أراقب حرباً ظننا في أيامها الأولى أنها قد تكون محدودة وقصيرة. ثلاث سنوات لاحقاً، تغيرت الجغرافيا، وتبدلت قواعد المواجهة، ودخلت الحرب إلى أماكن لم نتوقعها، لكن سؤالاً واحداً بقي في أذهاننا: هل انتهت الحرب فعلاً، أم أننا ننتظر جولاتها المقبلة؟ في الأيام الأولى التي أعقبت اندلاع حرب غزة في 7 أكتوبر 2023، كان سؤال واحد يرافقنا، نحن الصحفيين الذين نعمل في جنوب لبنان: إلى أي مدى يمكن أن تمتد هذه الحرب؟ لم يكن أحد يملك جواباً. وفي 8 أكتوبر، أي بعد يوم على اندلاع الحرب في غزة، بدأت المواجهات على الحدود اللبنانية الإسرائيلية. أدركنا عندها أن الحرب التي بدأت في غزة فتحت جبهة أخرى هنا. منذ ذلك اليوم تقريباً، أصبح لنا مكان نعود إليه كل يوم: ساحة في مدينة مرجعيون تطل على مواقع إسرائيلية في الجهة المقابلة. كنا نجتمع هناك بشكل شبه يومي، نحمل الكاميرات ونرتدي السترات الواقية والخوذ، ونراقب من تلك الساحة الفسيحة المكشوفة. كنا نشاهد الغارات الإسرائيلية على البلدات المحيطة بمرجعيون وبنت جبيل، ثم امتدت المشاهد تدريجياً إلى مناطق أخرى في الجنوب والبقاع الغربي وبعلبك شرق لبنان. وفي الاتجاه المقابل، كنا نصور الصواريخ التي يطلقها حزب الله باتجاه إسرائيل، ونرى أحياناً عمليات اعتراضها في السماء، والانفجارات التي كانت تقع فوقنا أو على مسافات قريبة منا. في البداية، كان المشهد يبدو وكأنه مواجهة محدودة، ثم بدأ يتغير. كانت المسافة بيننا وبين الحرب تضيق يوماً بعد يوم. في بداية الحرب، كان لدينا اعتقاد ربما لم نقله لأنفسنا بصوت عالٍ: أننا، كصحفيين، لسنا جزءاً من المعركة. كنا نعرف أننا نعمل في مكان خطير، ونرتدي الخوذ والسترات الواقية، ونحاول اختيار المواقع التي نعتقد أنها أكثر أمناً، لكن في داخلنا كان هناك شعور بأن كلمة "صحافة" تمنحنا نوعاً من المسافة عن الخطر. كنا نراقب الحرب ونصورها وننقل أخبارها، ثم اكتشفنا أن المسافة بين الصحفي والحرب ليست دائماً كافية لحمايته. في 13 أكتوبر 2023، بعد أيام قليلة من بدء المواجهات، قُتل مصور وكالة "رويترز" عصام عبد الله وأصيب ستة صحفيين آخرين في جنوب لبنان، بينما كانت المجموعة تعمل في موقع مكشوف وترتدي سترات تحمل كلمة "صحافة". وأظهرت تحقيقات مستقلة، بينها تحقيقات لـ "رويترز" ومنظمات حقوقية، أن القذائف التي أصابت المجموعة أُطلقت من الجانب الإسرائيلي، فيما بقيت مسألة القصد وراء الضربة موضع تحقيق وجدل. كان مقتل عصام صدمة لنا، ليس فقط لأنه صحفي قُتل أثناء عمله، بل لأنه جعلنا نعيد النظر في فكرة كنا نتشبث بها: أن الصحفي، ما دام يحمل كاميرا ويرتدي سترة صحافة، يبقى بعيداً عن دائرة الخطر. بعد ذلك، لم تعد السترة التي تحمل كلمة "صحافة" تمنحنا الإحساس نفسه بالأمان. بدأنا ننتبه أكثر إلى أماكن وقوفنا، والسيارات التي نستخدمها، والمواقع التي نختارها، والمدة التي نبقى فيها في المكان نفسه، والمسافة التي تفصلنا عن المواقع العسكرية، لكن الحرب كانت تتقدم أسرع من قدرتنا على تغيير عاداتنا. في 21 نوفمبر 2023، قُتلت الصحفية فرح عمر والمصور ربيع المعماري من قناة "الميادين" أثناء تغطيتهما المواجهات في جنوب لبنان. وبعد نحو عام، في 25 أكتوبر 2024، أصابت غارة إسرائيلية مبنى في حاصبيا كان يقيم فيه نحو 18 صحفياً من وسائل إعلام مختلفة، فقُتل ثلاثة من العاملين في الإعلام وأصيب آخرون. عندها أصبح السؤال الذي نطرحه قبل بدء التغطية مختلفاً. لم يعد فقط: ماذا يحدث هناك؟ بل أيضاً: هل المكان الذي نقف فيه آمن؟ هل يعرف الطرف الآخر أننا هنا؟ وهل تكفي كلمة "صحافة" على ستراتنا وسياراتنا؟ لم نعد نذهب إلى الحرب فقط بالكاميرات والميكروفونات، صرنا نذهب إليها ومعنا خوف إضافي لا يظهر في الصورة التي نرسلها إلى غرف الأخبار. ومع ذلك، كنا نعود. في كل يوم تقريباً، كنا نتوجه إلى الساحة في مرجعيون، نضع الكاميرات، نراقب، نصور، ونحاول أن نتصرف كما لو أن الخطر يمكن دائماً تحديده. في عصر 17 سبتمبر 2024، كنا في يوم عادي ظاهرياً، ثم بدأت الأخبار تتحدث عن انفجارات متزامنة في مناطق مختلفة من لبنان. في البداية، لم نفهم ما الذي يحدث. كانت الانفجارات تظهر في أماكن متباعدة، من الضاحية الجنوبية لبيروت إلى صيدا والنبطية وصور ومشغرة وسحمر وبعلبك، ثم بدأت الأخبار تتوالى عن أجهزة اتصال محمولة انفجرت في أيدي أشخاص يستخدمونها. لم يعد الخطر أمامنا، على الحدود، ولم يعد في السماء فقط. صار يمكن أن يكون في جهاز صغير يحمله شخص في جيبه. وفي اليوم التالي، تكررت الانفجارات مع أجهزة أخرى. كانت تلك اللحظة مختلفة عن كل ما سبقها. خلال أشهر الحرب الأولى، كنا نعرف تقريباً من