ما زالت تداعيات قرار وزيرة التربية بوقف التعاقد مع الأساتذة المستعان بهم والمتعاقدين على حساب صناديق المدارس تتفاعل. ورغم مرور نحو شهر على انطلاق العام الدراسي ما زال آلاف الطلاب بلا تعليم لأن أبواب الصفوف مقفلة أمامهم. وقد أدى القرار إلى ارتباك كبير في انطلاق العام الدراسي، وذلك في انتظار انتهاء وزيرة التربية ريما كرامي من دراستها التي تجريها على المدارس لمعرفة الحاجة الفعلية للأساتذة. وصحيح أن الخطوة التي تقوم بها كرامي إصلاحية ومطلوبة من البنك الدولي لتخفيف الهدر على التعاقد العشوائي في المدارس، إلا أنها أتت عشية انطلاق العام الدراسي، فيما كان يفترض القيام بها طوال السنة الفائتة. ورغم أن مدراء المدارس والثانويات يزودون الوزارة بكل الإحصاءات عن مدارسهم لناحية أعداد الطلاب والأساتذة والحصص والعقود والحاجات، بطريقة ممكنة، إلا أن وزيرة التربية كلفت مدراء مدارس آخرين للقيام بهذه الإحصاءات، ما يؤدي إلى هدر بالمال العام، لا سيما أن من جرى تكليفهم بهذه المهمة مدراء مثل غيرهم من مديري المدارس. فلو كانت الوزارة تريد إحصاءات محايدة لكان عليها تكليف جهات أخرى بهذه المهمة كي تكون البيانات شفافة وتعكس الواقع. بل على العكس، يتناقل الأساتذة على مجموعاتهم أن إحصاءات الوزيرة كرامي عبارة عن تنفيعة لبعض المدراء المحظيين. تتذرع وزارة التربية بأن الإحصاءات هدفها معرفة الحاجة الفعلية للأساتذة بعد قرار دمج المدارس وتخصيص مدارس لإيواء النازحين، الذي من شأنه تخفيض الحاجة إلى التعاقد. لكن على أرض الواقع انعكس قرار وقف عقود نحو 3500 أستاذ في أن مئات المدارس لا تفتح صفوف بعض الحلقات في التعليم الأساسي أمام الطلاب. ودانت رئيسة رابطة الأساتذة المتعاقدين في الساعة نسرين شاهين قرار كرامي لأنه صدر عشية انطلاق العام الدراسي، وقالت: "لا نطالب بإقالة كرامي فحسب، بل ندعو رئيس الحكومة إلى محاسبتها". "نحن لسنا ضد هذا القرار لأننا ضد الإصلاح، بل على العكس تمامًا". وقالت لـ"المدن": "نحن نؤيد الإصلاح ونشد على أيدي القائمين عليه عندما يكون إصلاحًا حقيقيًا. نحن نريد الإصلاح، ونريد إجراء دراسة للحاجات في المدارس وإجراء مسح شامل، ولكن هذا الأمر لا يمكن أن يتم على حساب التعليم العام، وعشية العام الدراسي. لذا نعتبر أن هناك جريمة تربوية ترتكب، لم ينصت إلينا أحد من المعنيين". وأضافت: "كرابطة، ندين هذا القرار أولًا لأنه يؤدي إلى ضرب المدرسة الرسمية وحق الفقراء في التعلم ومبدأ المساواة والعدالة، سواء في التعليم أو في المبدأ العام للمساواة بين طلاب التعليم الرسمي وطلاب التعليم الخاص، وكذلك بين طلاب التعليم الرسمي أنفسهم. وهناك مئات المدارس والصفوف التي لا تُفتح أصلًا أمام الطلاب. أما فيما يتعلق بالمعلمين، فنحن كرابطة نعود ونؤكد مطالبتنا للمعنيين بوضع حد للقرارات الفاشلة التي تتخذها وزيرة التربية". وشرحت شاهين أنهم طالبوا مرارًا بأن توضح الوزارة لهم بطريقة علمية وموضوعية وبمبررات منطقية مبنية على الأرقام، أسباب هذا القرار، إلا أن الوزارة ردت عليهم بشعارات فضفاضة تنكر الواقع ولا تعكس حقيقته. وقالت إن "مدير التعليم الأساسي جورج داود اعتبر أننا نبالغ في الحديث عن أن طرد 3500 أستاذ يؤثر على العام الدراسي، على اعتبار أنهم موزعون على مختلف المناطق اللبنانية. واستهزأ بالأساتذة معتبرًا أن طرد هؤلاء يؤثر حصرًا على عدم تعلم الطلاب بعض المواد مثل الفنون والرياضة. لكن هذا الكلام عارٍ عن الصحة جملةً وتفصيلًا، ومئات الآلاف من الطلاب ونحو 60 ألف معلم وناظر وإداري في التعليم ما قبل الجامعي سمعوا ما قاله. الطلاب يعيشون تداعيات القرار يوميًا بإقفال الصفوف أمامهم، والأساتذة والمدارس كلها ترفع الصوت وتطلق الصرخة". واستغربت شاهين كيف أن مدير التعليم الأساسي لا يرى آلاف الطلاب الذين يغادرون المدرسة عند الساعة العاشرة والنصف صباحًا لأن المدارس بلا أساتذة وأنهم لا يتعلمون المواد الأساسية مثل الكيمياء والرياضيات واللغة الإنجليزية. وحذّرت من أن هناك 3500 أستاذ، أي 3500 عائلة، باتوا بلا عمل ولا معيل. ولا يقتصر الانعكاس السلبي على هؤلاء الأساتذة الذين توقفوا عن العمل، بل يتضرر أيضًا باقي الأساتذة الذين لا يستطيعون الالتحاق بالمدرسة وتعليم دوام كامل، لأن المدرسة تعطي أربع ساعات يوميًا فقط، ومن ضمن هذا الدوام لا يستطيع الأستاذ حتى أن يملأ الساعات الأربع المخصصة له.