"ليبانون ديبايت"- العميد منير شحادة بعد ٧ أكتوبر... عندما سقط القناع عن ما يسمى ب (العالم الحر) في السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، تغيَّر شيء كبير في العالم. لم يتغير فقط المشهد الأمني في الشرق الأوسط، ولم تتغير فقط قواعد المواجهة بين إسرائيل والفلسطينيين، بل انكشفت أمام العالم أزمة أعمق بكثير: أزمة العدالة الدولية، وأزمة ازدواجية المعايير، وأزمة ما يسمى (العالم الحر) الذي طالما قدَّم نفسه باعتباره المدافع عن حقوق الإنسان والديمقراطية والقانون الدولي. لكن المفارقة أن العالم، منذ الساعات الأولى (لـطوفان الأقصى)، بدا وكأنه يريد اختصار القضية الفلسطينية كلها في سؤال واحد: هل تؤيد ما قامت به حماس في ٧ أكتوبر؟ السؤال، في حد ذاته، مشروع إذا كان المقصود منه معرفة الموقف من قتل المدنيين أو اختطافهم. ولا يمكن تبرير استهداف المدنيين، أياً كان الفاعل، وأياً كانت القضية التي يرفعها، وأياً كانت الظروف. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح هذا السؤال هو السؤال الوحيد. عندما يصبح يوم ٧ أكتوبر هو نقطة البداية والنهاية. عندما يُطلب من العالم أن ينسى كل ما حدث قبل ذلك اليوم، وكأن الفلسطينيين ظهروا فجأة في التاريخ صباح ٧ أكتوبر، وكأن القضية الفلسطينية بدأت عام ٢٠٢٣، وكأن لا نكبة وقعت عام ١٩٤٨، ولا اقتلاع وتهجير، ولا احتلال عام ١٩٦٧، ولا مستوطنات، ولا مصادرة أراضٍ، ولا هدم منازل، ولا حصار، ولا حروب متكررة، ولا آلاف المعتقلين، ولا قرارات دولية بقيت بلا تنفيذ. هنا يصبح اختزال التاريخ ظلماً للحقيقة. عندما نتحدث عن فلسطين، فنحن لا نتحدث عن ثلاث سنوات من الحرب، بل عن نحو ثمانية عقود من قضية لم تُحل. في عام ١٩٤٨، اقتُلع أكثر من ٧٥٠ ألف فلسطيني من منازلهم، وتحولت النكبة إلى أكبر جرح تاريخي في الذاكرة الفلسطينية. وتقر الأمم المتحدة نفسها بأن النكبة أدت إلى نزوح جماعي وفقدان الفلسطينيين لمنازلهم وأراضيهم، وأن قضية اللاجئين بقيت من أطول أزمات اللجوء المستمرة في العالم. ثم جاءت حرب ١٩٦٧، فاحتلت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، ونشأت مرحلة جديدة من الاحتلال العسكري والاستيطان والصراع. ولم يكن المجتمع الدولي غائباً عن معرفة ما يجري. صدرت عشرات القرارات الدولية، وتحدثت الأمم المتحدة عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وعن الأراضي المحتلة، وعن اللاجئين، وعن ضرورة الوصول إلى حل سياسي. لكن المشكلة لم تكن في نقص القرارات. المشكلة كانت في غياب القدرة والإرادة على تنفيذها. وهنا بدأ الفلسطيني يشعر، عاماً بعد عام، بأن المجتمع الدولي يستطيع أن يصف معاناته، لكنه لا يستطيع أن ينهيها. أوسلو... حين صدَّق الفلسطينيون أن السياسة قد تكون طريقاً للخلاص في عام ١٩٩٣، وافقت منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل على مسار سياسي يقوم على مرحلة انتقالية لا تتجاوز خمس سنوات، تمهيداً لتسوية دائمة تعالج قضايا القدس واللاجئين والمستوطنات والحدود والأمن. كان ذلك يعني، عملياً، أن الفلسطينيين دخلوا في مسار سياسي على أمل الوصول إلى حل تاريخي. وبقيت الدولة الفلسطينية الموعودة غائبة. وفي الوقت نفسه، استمرت الوقائع على الأرض في تغيير الجغرافيا، واستمر الاستيطان والاحتلال ومصادرة الأراضي وهدم المنازل والتهجير و القتل و الإضطهاد . ماذا كان مطلوباً من الشعب الفلسطيني أن يفعل بعد أن طال انتظار الدولة لعقود، وبعد أن بقيت القرارات الدولية غير منفذة، وبعد أن أصبح الاحتلال واقعاً مستمراً؟ هل كان المطلوب أن ينتظر ٧٥ سنة أخرى ؟ هل كان المطلوب أن يقبل بأن تتحول القضية من قضية شعب يريد دولة إلى مجرد (ملف إنساني) يحتاج إلى مساعدات؟ وهل كان المطلوب من جيل فلسطيني جديد أن يصدق الوعود نفسها التي صدقها آباؤه وأجداده ولم يرَ نتائجها؟ لا تبرير لقتل المدنيين... لكن لا يجوز إلغاء التاريخ من الضروري هنا قول الأمر بوضوح، حتى لا يُساء فهم الموقف: لا يمكن تبرير قتل المدنيين الإسرائيليين في ٧ أكتوبر، كما لا يمكن تبرير قتل المدنيين الفلسطينيين في غزة. الجريمة لا تصبح مشروعة لأن مرتكبها يحمل قضية عادلة، كما أن الظلم التاريخي لا يمنح أي طرف رخصة مفتوحة لاستهداف الأبرياء. لكن رفض تبرير قتل المدنيين لا يعني إطلاقاً أن نقبل الرواية التي تجعل ٧ أكتوبر بداية التاريخ. فهناك فرق هائل بين تبرير الحدث وبين تفسير أسبابه وسياقه التاريخي. عندما ينفجر شعب يعيش تحت الاحتلال والقهر والحصار بعد عقود من الفشل السياسي، فإن السؤال الجدي ليس فقط: لماذا حدث الانفجار؟ ماذا فعل العالم طوال العقود التي سبقت الانفجار لمنع وصول الأمور إلى هذه النقطة؟ هذا هو السؤال الذي غاب بدرجة كبيرة عن الخطاب الإعلامي والسياسي الغربي بعد ٧ أكتوبر. عندما أصبح ٧ أكتوبر هو (اليوم الأول) في الساعات الأولى بعد الهجوم، تحولت معظم المنابر