بعد ثلاث سنوات على هجوم 7 تشرين الأول 2023، لا تبدو خلاصات المؤسسة العسكريّة الإسرائيليّة محصورةً بجبهة غزّة وحدها. فعلى الحدود مع لبنان، حيث امتدّت الحرب وفرضت إخلاء بلدات كاملة وأعادت طرح سؤال الأمن في الشمال، تكشف الإجراءات العسكريّة والتحوّلات الديموغرافيّة عن جبهة لم تعد إسرائيل تتعامل معها بالمنطق الذي سبق ذلك اليوم. ففي الذكرى الثالثة لـ7 تشرين الأول، تتقاطع صورتان في الشمال الإسرائيليّ: جيش يعيد توزيع قوّاته ويقرّب مروحيّاته القتاليّة من الحدود، ويعيد النظر في الإنذار والاستجابة وحماية البلدات، ومجتمع لم يستعد بعد ثقته الكاملة بإمكان العيش على خطّ المواجهة مع لبنان، فيما تحاول السلطات إعادة السكان إلى المناطق التي أُخليت واستقطاب آخرين إليها. وبذلك، لم يعد السؤال الإسرائيليّ عند الحدود اللبنانيّة مقتصرًا على كيفية منع هجوم أو الردّ عليه، بل بات يتّصل بما إذا كانت كلّ التغييرات العسكريّة التي أُدخلت منذ 7 تشرين الأول قادرةً على إعادة إنتاج شيء أكثر تعقيدًا من الردع، هو الشعور بالأمان نفسه. ضمن هذه المراجعة، أكمل الجيش الإسرائيليّ في آب الماضي نقل سرب المروحيّات القتاليّة 190، المعروف باسم "اللمسة السحريّة"، من قاعدة رامون في الجنوب إلى قاعدة رامات دافيد في الشمال، بعد نحو 25 عامًا من عمله انطلاقًا من الجنوب. ووضع الجيش الإسرائيليّ الخطوة صراحةً في إطار استخلاص دروس 7 تشرين الأول، بهدف توزيع أسراب المروحيّات القتاليّة بين شمال إسرائيل وجنوبها، وتعزيز توافر القوّة الناريّة وسرعة استجابتها عند الحدود الشماليّة. ولا يشكّل نقل السرب، في حدّ ذاته، مؤشرًا إلى عمليّة عسكريّة جديدة ضد لبنان، بقدر ما يكشف عن تعديل بنيويّ في انتشار سلاح الجوّ الإسرائيليّ. فالمعضلة التي ظهرت في 7 تشرين الأول لم تكن متعلّقةً بحجم القوّة المتاحة فقط، بل بالوقت الذي احتاجته للوصول إلى الجبهة والتحرّك عندما وقع الهجوم. ولهذا، بات تقليص زمن الاستجابة عنصرًا مركزيًّا في إعادة ترتيب القوات. وقرب المروحيّات القتاليّة من الجبهة اللبنانيّة يعني، وفق المقاربة الإسرائيليّة الجديدة، قدرةً أكبر على التدخّل السريع وإسناد القوات البريّة في حال حصول تطوّر مفاجئ على الحدود. لبنان داخل عقيدة ما بعد 7 تشرين الأول وهذا التحوّل لا يقتصر على سلاح الجوّ. فمنذ 7 تشرين الأول، أعاد الجيش الإسرائيليّ النظر في مفهوم حماية البلدات الحدودية نفسها، بعدما تحوّلت إمكانيّة الاختراق البرّي إلى هاجس مركزيّ في النقاش الأمنيّ الإسرائيليّ بشأن الشمال. وتحوّلت وحدات الاستجابة السريعة في البلدات إلى جزء أساسيّ من هذا النقاش، بعدما توسّعت منظومة هذه الوحدات على مستوى إسرائيل بصورة كبيرة منذ هجوم 2023. وفي أيار 2026، أظهرت بيانات عُرضت أمام لجنة الأمن القوميّ في الكنيست وجود أكثر من ألف وحدة استجابة، مقارنةً بنحو 70 قبل 7 تشرين الأول، ضمن مقاربة تقوم على تقليص زمن الاستجابة وخلق قوّة محلّيّة قادرة على التحرّك قبل وصول القوات النظاميّة. إلّا أن تطبيق هذه السياسة في الشمال لم يكن مستقيمًا. ففي حزيران الماضي، أثار قرار الجيش تقليص وإغلاق بعض وحدات الاستجابة على خطّ المواجهة، في ضوء وقف إطلاق النار على جبهة لبنان، اعتراضات من سكان ورؤساء مجالس محليّة اعتبروا أن الوضع لم يعد بعد إلى ما كان عليه قبل الحرب. وهنا تظهر إحدى المفارقات التي تحكم المشهد الإسرائيليّ بعد ثلاث سنوات: المؤسسة العسكريّة تعلن أنّها استخلصت دروس المفاجأة، فيما يبقى سكان البلدات الحدوديّة أنفسهم أكثر تردّدًا في التعامل مع عودة الهدوء باعتبارها عودةً كاملةً للأمان. من تقدير "النيّات" إلى مراقبة القدرات وعلى المستوى الاستخباريّ، دفعت أحداث 7 تشرين الأول المؤسسة الإسرائيليّة إلى إعادة النظر في الاعتماد على تقدير "نيّات" الخصم، بعدما تحوّلت الافتراضات بشأن عدم رغبة "حماس" في خوض مواجهة إلى جزء من النقاش الإسرائيليّ حول أسباب الإخفاق. وينعكس هذا الدرس على جبهة لبنان أيضًا. فالمقاربة الجديدة تعطي وزنًا أكبر لما يمتلكه "حزب الله" من قدرات وللمؤشرات الميدانيّة على الأرض، بمعزل عن التقديرات السياسيّة بشأن رغبته أو عدم رغبته في استخدامها. وبهذا المعنى، تحاول إسرائيل نقل مركز الثقل من سؤال "هل يريد حزب الله الهجوم؟" إلى سؤال "هل يمتلك القدرة التي تسمح له بذلك؟"، وهي نقلة تبدو تقنيّةً في ظاهرها، لكنها تعبّر عن تغيير أوسع في الطريقة التي تقول المؤسسة الأمنيّة إنّها تريد أن تقرأ بها المخاطر بعد 7 تشرين الأول. غير أنّ زيادة الجاهزيّة لا تلغي المعضلة التي خلّفتها الحرب. فالحفاظ على انتشار مرتفع، ورفع مستوى التأهّب، والاستناد بصورة واسعة إلى قوات الاحتياط، يعني في المقابل استنزافًا بشريًّا وعسكريًّا متواصلًا، خصوصًا إذا تحوّلت ا