شدّد رئيس الحكومة نواف سلام على أنّ التمسّك بالطائف يفترض، أولًا، تطبيقه بكامل بنوده، وقال: "لا يجوز أن نعلن تمسّكنا بالطائف فيما نترك جزءًا كبيرًا من إصلاحاته معلّقًا، ولا يجوز أن يستخدم كل فريق ما يناسبه منه ثم يتجاهل ما يتوجّب عليه من التزام"، داعياً إلى "تصحيح ما تم تشويهه من بنود الطائف عند التطبيق، وسدّ الثغرات التي كشفتها الممارسة خلال العقود الماضية، وتطوير دستورنا عند الحاجة وفق قواعده، لا بتجاوزه". وولمناسبة الذكرى المئوية للدستور اللبناني، وفي حفل افتتاح معرض "بين سطور الدستور"، قدّم سلام قراءة سياسية ودستورية لمسار الدولة اللبنانية منذ ولادة دستور عام 1926 وحتى اتفاق الطائف، واضعًا في صلب كلمته سؤال الدولة وقدرتها على احتكار السلطة والقرار، ومعتبرًا أنّ المشكلة لم تكن يومًا في تعدّد المجتمع اللبناني، بل في تحوّل هذا التعدّد إلى تعدّد في مراكز القرار خارج المؤسسات الدستورية. وانطلق سلام من معنى الدستور نفسه، معتبرًا أنّ جوهره يقوم على ألّا تكون السلطة مطلقة، وأن يعرف المواطن حقوقه، وأن تعرف كل سلطة حدودها، وأن تكون هناك قواعد يحتكم إليها الجميع عند الاختلاف. وقال إنّ مئة عام مرّت على الدستور اللبناني، "مئة عام على نصّ لم يولد من فكرة واحدة، ولا من تجربة واحدة، ولا من مصدر فكري واحد"، معتبرًا أنّ هذه الحقيقة ليست تفصيلًا في تاريخ الدستور، بل "مفتاح لفهم لبنان نفسه". وأضاف أنّ الدستور اللبناني هو "ابن تعدّد"، سواء في مصادره الفكرية، أو في التجارب التي سبقته، أو في المجتمع الذي أراد تنظيم حياته السياسية، طارحًا السؤال: "هل نجحنا في تحويل هذا التعدّد إلى شراكة في الدولة، أم أنّنا تركناه، في مراحل كثيرة، يتحوّل إلى تقاسم للدولة؟". من الإصلاح العثماني إلى دستور 1926 ورأى سلام أنّ الاحتفال بالدستور لا يعني العودة فقط إلى اللحظة التي وُضع فيها النص، بل يستدعي مراجعة ما فعله اللبنانيون به، وما أضافته التجربة إليه، وما بقي ناقصًا، وما تعلّموه بعد قرن من الأزمات والحروب والتسويات. وأشار إلى أنّ دستور 23 أيار 1926 لم يولد من فراغ، بل تعود جذوره إلى القرن التاسع عشر، حين بدأت تدخل إلى المنطقة أفكار وممارسات جديدة حول الدولة والسلطة والحقوق. وتوقّف عند إصلاحات "التنظيمات" العثمانية، بدءًا من خط كلخانة عام 1839، ثم الخط الهمايوني عام 1856، معتبرًا أنّها ساهمت تدريجيًا في تغيير علاقة الفرد بالسلطة، وأدخلت مفاهيم المساواة أمام القانون، وتنظيم الإدارة، وضمان الحقوق، وجعلت سؤال حدود السلطة جزءًا من النقاش العام. كما أشار إلى الدستور العثماني عام 1876، ثم العودة إلى الحياة النيابية عام 1908 بعد تعليقها، وما رافق ذلك من ترسيخ مفاهيم البرلمان والتمثيل والانتخابات، بما شكّل انتقالًا تدريجيًا "من فكرة الحاكم العادل إلى فكرة الحكم المقيّد". ورأى أنّ تجربة الإصلاح العثماني لم تكن ديمقراطية بالمعنى الحديث دائمًا، لكنها شكّلت جزءًا من الطريق المؤدّي إلى دستور 1926. المتصرفية والنهضة وصناعة فكرة المواطنة وتحدّث سلام عن تجربة متصرفية جبل لبنان، وما مثّلته من تجربة مبكرة في إدارة مجتمع متعدّد، وفي التمثيل السياسي المحلي. كما توقّف عند دور حركة النهضة العربية التي انطلقت من بيروت وجبل لبنان ومدن المشرق العربي، متأثرةً بروّاد الإصلاح والفكر، بينهم رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي، ولا سيما ما عرضه الأخير في كتابه "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك" حول تجارب الغرب، وربطه تقدّم الدول بحسن تنظيم مؤسساتها وعلاقة المواطن بالدولة. وأشار إلى إسهامات بطرس البستاني وفرح أنطون وعبد القادر القباني وأجيال من المفكرين والمصلحين في بلورة فكرة أنّ الوطن لا يمكن أن يكون مجرّد اجتماع للطوائف، وأنّ المواطنة يجب أن تكون مساحة مشتركة تجمع الأفراد على اختلاف انتماءاتهم. وقال إنّ روّاد النهضة لم يكتبوا دستور عام 1926، لكنهم ساهموا في صياغة المناخ الفكري الذي جعله ممكنًا، "فقبل أن تصبح المواطنة مادة في الدستور، كانت فكرة بدأت تنتشر، وقبل أن تصبح الحرية أو المساواة حقًّا دستوريًا، كانتا مطلبًا ثقافيًا وسياسيًا". التأثير الفرنسي وخصوصية التجربة اللبنانية ولفت سلام إلى الدور الفرنسي المباشر في صياغة دستور 1926 خلال مرحلة الانتداب، مشيرًا إلى تأثره بالتقاليد الدستورية الفرنسية، ولا سيما النظام البرلماني للجمهورية الثالثة، ومبادئ الفصل بين السلطات، والمسؤولية الوزارية، ودور البرلمان، وضمان الحريات العامة. كما دخلت إلى النص، بحسب سلام، مبادئ من الفكر الليبرالي الفرنسي، بينها حرية الضمير والرأي والاجتماع والمساواة أمام القانون. إلّا أنّه شدّد على أنّ لبنان "لم يستورد دستورًا جاهزًا"، بل أخذ من التجربة الفرنسية وأضاف إليها تجربته الخاصة، خصوصًا في كيفية بن