من طفلة صغيرة كبرت خلال سنوات الحرب، وكانت تجد تسليتها في الكتب... إلى كاتبة. قبل أن تصبح بسمة الخطيب كاتبة، كانت قارئة شغوفة؛ قرأت كتباً أكبر من عمرها، ففتحت القراءة أمام مخيلتها أبواباً واسعة، وراكمت في ذاكرتها مخزوناً أدبياً رافقها لاحقاً في الكتابة. كأن الكاتبة التي ستأتي لاحقاً كانت موجودة، منذ البداية، في تلك الطفلة التي وجدت في الكتب عالماً آخر. استقبل "مطبخ الكتابة"، بسمة الخطيب في المكتبة العامة لبلدية بيروت، لتستعيد تجربتها في الكتابة لا بوصفها سلسلة من الكتب والتواريخ، بل من خلال الأسئلة التي تسبق الكتاب نفسه: ما الذي يدفع شخصاً إلى الكتابة؟ من أين تأتي الحكاية؟ كيف يعرف الكاتب أن فكرته تصلح لقصة قصيرة أو تحتاج إلى رواية؟ وماذا يبقى منه في الشخصيات التي يخلقها بعد أن ينتهي من كتابتها؟ "الأمير الصغير" ونساء الريفكبرت بسمة الخطيب في بيتٍ حضرت فيه الكتب والشعر والقراءة. كان والدها شاعراً، وإن لم ينشر أشعاره، وقد انجذبت الطفلة إلى الكتب بصورة تكاد تكون سحرية. قرأت لطه حسين، وقرأت "الأمير الصغير" وكتباً كثيرة، في كثير من الأحيان، أكبر من عمرها، لكنها وسّعت خيالها وأغنت عالمها الداخلي باكراً. في الريف، كانت بسمة محاطة بالنساء الريفيات وبعالمهن اليومي، كما نشأت لديها علاقة خاصة بالطبيعة التي شبّهت علاقتها بها بعلاقتها بالكتب التي عشقتها؛ كلتاهما منحتاها مساحة للخيال. ومع اتساع العمران وتراجع المساحات الخضراء التي ألفتها، بقيت الكتب ملجأها الأول. حتى في الحرب، حين اختبأت العائلة في الملجأ، أخذت كتبها معها، كأنها تحاول أن تحمل معها شيئاً يحميها من قسوة الخارج. ومن بين ذكريات تلك السنوات، تستعيد الخطيب حادثة عالقة في ذاكرتها: عثرت يوماً على مجلة تضم مجموعة من القصص القصيرة، فقرأتها، ثم قالت لنفسها إن اسمها سيُكتب يوماً على قصة. كانت لحظة صغيرة، لكنها حملت في داخلها للمرة الأولى صورة الكاتبة التي ستصبحها لاحقاً. ماركيز و"الحرافيش"بدأت علاقة بسمة الخطيب بالكتابة بمحاولات بسيطة في طفولتها، قبل أن تأخذ شكلاً أوضح في مراهقتها حين اتجهت إلى كتابة الشعر. وتربط بسمة الخطيب هذه المرحلة بالمشاعر الكبيرة والحساسية التي يعيشها الإنسان في تلك السن. استمرت في الكتابة، لكنها خشيت النشر، إلى أن اكتشف والدها موهبتها وشجعها على أخذ كتابتها بجدية أكبر. لاحقاً، خلال دراستها في كلية الإعلام، وجدت نفسها وسط مجموعة من المثقفين والمهتمين بالقراءة والكتابة. بدأت تعرض عليهم نصوصها، إلى أن نُشر كتابها الأول، وحظيت كتاباتها باهتمام وثناء شجعها على الاستمرار في الكتابة والنشر. ما زالت تقرأ باستمرار، وللشعر مكان خاص لديها، وخصوصاً شعر محمود درويش. ومن الكتّاب الذين تحبهم دوستويفسكي ونجيب محفوظ، وخصوصاً "الحرافيش"، وغابرييل غارسيا ماركيز وأغوتا كريستوف. وتميل إلى قراءة الأعمال بلغتها الأصلية حين تستطيع، لأنها ترى أن اللغة الأصلية تتيح التقاط المشاعر والتفاصيل بصورة مختلفة. وحين سُئلت عن النصيحة التي يمكن أن تقدمها لمن يريد أن يصبح كاتباً، اختصرت الطريق في "النَفَس الطويل"، إلى جانب الاستماع إلى الملاحظات وتقبّل النقد البنّاء والاستفادة منه. فالكتابة، بالنسبة إليها، لا تقوم على الموهبة وحدها، بل تحتاج إلى الاستمرار والقدرة على مراجعة الذات. كتبت بسمة في أنماط أدبية مختلفة، إلا أن أدب الأطفال بقي قريباً منها، رغم صعوبته. وصفته بالواحة التي تمنحها شيئاً من التوازن، وربطت اهتمامها به بطفولتها أيضاً؛ فقد صنعت دمى وكتبت مسلسلات للأطفال، انطلاقاً من رغبة قديمة في أن تشاهد هي نفسها هذا النوع من الأعمال عندما كانت طفلة. أما اليوم، فتجد أن الكتابة للأطفال تواجه تحديات جديدة فرضتها الثورة التكنولوجية وتغير علاقة الأطفال بالصورة والمحتوى. يوم الكتابةأخذتنا بسمة معها في يوم كتابي عادي، من دون أن يكون لديها وقت محدد لإنهاء الكتابة. تقول إن الفكرة تأتي فجأة على شكل إلهام، وتحاول دائماً ألا تكرر نفسها في كتاباتها. وعن طقوس الكتابة، تقول إنها وضعت مؤخراً مكاناً للكتابة في منزلها مقابل البحر، يساعدها على تصفية ذهنها. وتحتاج إلى أن تكون بمفردها، فلا تحب أن يتحدث إليها أحد أو أن يكون حولها ما يشتت انتباهها، حتى إنها لا تستمع إلى الموسيقى أثناء الكتابة. وترافقها القهوة في هذه الساعات. في بداياتها، كانت تكتب على الورق، أما اليوم فتكتب على اللابتوب، مع احتفاظها بمفكرة تستخدمها لتدوين الملاحظات. استقالت من عملها أكثر من مرة حتى تتفرغ للكتابة بشكل كامل، وهو ما يعكس المساحة التي تحتلها الكتابة في حياتها. استقالت من عملها أكثر من مرة حتى تتفرغ للكتابة بشكل كامل، وهو ما يعكس المساحة التي تحتلها الكتابة في حياتها. ولا تتوقف علاقتها بالنص عند الانتهاء منه، إذ تعود إلى كتابا