العمل الفني عند تشايكوفسكي (1840–1893) الذي تغذّى بالفن الصوتي Art vocal الإيطالي وبالرومنطيقية الألمانية، يتموضع على هامش التيّار القومي لعصبة الخمسة Groupe des cinq. في عمله يتبدّى الإلهامُ الغربيّ ويدمج عناصر غربية أو إغرابية إكزوتيكية، مضافة إلى ميلوديّات فولكلورية وطنية. ألّف تشايكوفسكي في الكثير من الأنواع، علماً بأنه، في الموسيقى الأوركسترالية كما في السمفونيّات والمتتاليات والكونشرتوات، بذل ونشر جُلّ علمه. إذا كانت روسيا، وفقاً لفكرة مقبولة عموماً، البلد الجامع للتناقضات والتباينات والمتناهيات، فإنّ تشايكوفسكي هو بالتأكيد المؤلّف الذي يعكس هذه القطبية على أفضل وجه، سواء من خلال شخصيّته أو من خلال المشاعر التي يحرّكها. لطالما حظيت موسيقاه بجاذبيةٍ كبيرة بين الناس بفضل ألحانها وجوهرها الرنّان المتفتّح، وبفضل التناغم الملوَّن والرائع فيها، وكلّها تثير استجابةً عاطفية عميقة. بحسب André Lischke (ولد في العام 1952 في باريس) وهو عالم موسيقي فرنسي ومترجم متخصّص في الموسيقى الكلاسيكية الروسية، فإنّ اتّحاد الدراما الشخصية والموسيقى صَيَّرَ تشايكوفسكي "الوريث المباشر للودفيغ فان بيتهوفن" (1770 - 1827). خلال دراسة الموسيقى الأوركسترالية لتشايكوفسكي، يضيء بعضهم على مفاتيح أساسيّة: المثال الليريكي للسَّمْفَنَة لديه son symphonisme، والجدلية التشاؤمية التي وفّرت نسيجه السرديّ السرّيّ غالباً، في الأوبرا كما في أعماله الفنّية للأوركسترا. إذا نُعت ووُصف تشايكوفسكي بالإصطفائي أو الكوسموبوليتي مثلاً، مع تحفُّظ البعض على هذا الوصف، فذلك لأنه تمتّع بروحٍ وذاتٍ منفتحتين على جميع الاحتمالات إذا نُعت ووُصف تشايكوفسكي بالإصطفائي أو الكوسموبوليتي مثلاً، مع تحفُّظ البعض على هذا الوصف، فذلك لأنه على وجه التحديد كان يتمتّع بروحٍ وذاتٍ إبداعيتين تتصفان بالانفتاح الإبداعي على جميع الاحتمالات التي قدّمتها له الموسيقى العالِمة أو ما يُعرَف بالموسيقى المتقنة Musique savante. لقد دمج كل تأثيرات عصره وتلك التي سبقتها: الموسيقى الفرنسية، والإيطالية، والألمانية، مع إعجابه بوولفغانغ أماديوس موزارت (1756-1791)، إضافةً إلى الموسيقى الشعبية الروسية التي دمجها في أعماله... والجدير ذكره هنا أنّ تشايكوفسكي كان متمعّناً وصارماً ومتطلّباً يبتغي الدقّة حدّ الكمال في التنفيذ الأدائيّ لأعماله وفي طباعة الأعمال هذه. لم يكن يتساهل إبداعيّاً، بل كان غالباً عديم الصبر في تعامله مع بعض المؤدّين والعازفين المهمِلين أو المتراخين نسبيّاً. كانت الموسيقى بالنسبة إلى تشايكوفسكي وسيلةً للمشاطرة والمشاركة بالمعنى العميق. هدفه الحميم تمثّلَ في خلق انفعال وتأثّر يستجيبان لانفعاله الفنّيّ الأصليّ. أكثر منها وسيلةً للتعبير، كانت الموسيقى بالنسبة إلى تشايكوفسكي وسيلةً للمشاطرة والمشاركة بالمعنى العميق. هدفه الحميم تمثّلَ في أن يخلق بين الجمهور انفعالاً وتأثّراً يشكّلان استجابةً ملائمة لانفعاله الفنّيّ الخاص الأصليّ. لا بدّ من الإشارة إلى أنّ تشايكوفسكي لم تكن تُرغّبه قيادة أعماله إلا عندما كان يشعر بالفعل بأنها تغوي الموسيقيين إغواءً جليّاً يمسّ الدواخل. لكي يحصل على فرقٍ دقيقٍ ودرجةِ إشباعٍ وتوازنٍ فرِحٍ، كان يحتاج إلى العثور على انجذابٍ وتعاطفٍ وتشجيعٍ بين الذين كانوا يحيطون به. إنّ نظرةَ لامبالاةٍ واحدة أو حتى أدنى بُرودٍ لدى موسيقيٍّ واحدٍ فقط، كان يبدو كأنه يشلّه! هذه الرقّة المفرطة في الأحاسيس (وحساسية الالتقاط) كانت تميّزه. الموسيقى الروسية في القرن الـ20 في ظلّ انتشار الفنون في الأرض وإمكانية وصول الالتماعات إلى الآخَر-المتلقّي في زمن التطوّر التكنولوجي، من الطبيعي أن يعرف كثيرون اليوم، أكانوا هواة مثقّفين أم متضلّعين، أعمالاً متنوّعة لمؤلّفين موسيقيين من روسيا برزت أسماؤهم في سجلّ المكتبة الموسيقية والفنية العالمية؛ فمَن لم يستمع بعد إلى "بحيرة البجع" أو "كسّارة البندق" (Ballet) لتشايكوفسكي أو إلى "شهرزاد" لريمسكي كورساكوف مثلاً؟... الذوّاق يتابع حتماً بحماسةٍ وشغفٍ قدر الإمكان، ليس انطلاقاً من الترف الثقافيّ كما قد يتوهّم بعضهم، بل ارتكازاً على ضرورة التنقيب عن الدهشة الجمالية والإبداعية التي تهزم العبث والعدم والمعاناة، وعن العلامات والدلالات المعرفية والثقافية والحضارية الحيويّة في الأعمال الفنية الإبداعية التي يحتاج إليها الإنسان. مع ذلك، فإنّ التغيُّرات والتغييرات في الموسيقى الروسية - التي طرأت خطوةً خطوة وفرضت تأثيرها عبر أسماءٍ أخرى ليست معروفة عندنا لأسبابٍ عدّة لن ندخل في تفاصيلها ههنا- تستحقّ الذكر من باب الإضاءة المعرفيّة. إنّ التغيير أخذ يحلّ في الموسيقى الروسية ويتبدّى ويتمظهر فيها بصورةٍ تدريجية عبر وجوهٍ موسيقية عدّة، نذكر بينها، على سبيل المثال لا