فتحت استقالة وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد واحداً من أكثر ملفات الاقتصاد الإيراني حساسية، في مرحلة تواجه فيها البلاد ضغوط الحرب والعقوبات وتعقيدات بيع النفط وتحويل عائداته. وسرعان ما أعاد خروجه إلى الواجهة صراعاً طالما دار خلف الكواليس حيال المال والنفوذ وشبكات بيع الخام الإيراني. وخلال الأشهر الماضية، عزّز تطوران احتمال خروج باك نجاد من الوزارة. تمثل الأول في نشر تقارير عن عدم إعادة ما لا يقل عن 8 مليارات دولار من عائدات النفط الإيراني إلى البلاد من جانب أشخاص يُعرفون باسم "التراستيّين". أما التطور الثاني، فكان تصاعد الخلاف بين باك نجاد ومحمد شريعتمداري، المدير التنفيذي لـ"مجموعة الخليج الفارسي للبتروكيماويات"، وهي أكبر مجموعة قابضة في قطاع الطاقة الإيراني، ويزيد حجم أعمالها السنوي على 5 مليارات دولار. قبل أيام، تحولت التكهنات إلى واقع. غادر باك نجاد منصبه بعد أكثر من عامين على توليه الوزارة. جاءت الاستقالة في مرحلة أصبح فيها إنتاج النفط وبيعه من أبرز مصادر القلق لدى المسؤولين الإيرانيين، وسط ظروف تقول طهران إن الولايات المتحدة فرضت فيها حصاراً بحرياً على إيران وتمنع السفن الإيرانية من عبور الخليج لنقل النفط. وتقول إيران من جهتها إنها تفرض قيوداً على مرور ناقلات النفط التابعة للدول الأخرى عبر مضيق هرمز، وتشترط الإذن والتنسيق مع البحرية الإيرانية ودفع الرسوم المقررة. وبالتوازي مع المواجهة العسكرية والاقتصادية، تخوض طهران وواشنطن حرباً دعائية بشأن حركة النفط في المنطقة. تؤكد الولايات المتحدة أن سياسة إغلاق مضيق هرمز التي تتبعها إيران أُحبطت، فيما تصر طهران على أن الحصار البحري الأميركي لم يمنعها من بيع نفطها. وتعكس المؤشرات الاقتصادية استمرار الاضطراب في سوق الطاقة وحركة الصادرات. فقد ارتفعت أسعار النفط والغاز والمنتجات البتروكيماوية عالمياً، فيما سجل الذهب والدولار مستويات مرتفعة داخل إيران. وأدى تراجع تدفق العملات الأجنبية الناتجة من مبيعات النفط إلى زيادة الضغط على العملة الإيرانية، بما يعكس استمرار تأثير أزمة مضيق هرمز وتعطل حركة الطاقة مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب. وأشار محافظ البنك المركزي الإيراني عبدالناصر همتي إلى هذه المشكلة في مقابلة تلفزيونية، ما عرّضه لهجوم شديد من أنصار استمرار الحرب مع الولايات المتحدة. تأتي استقالة باك نجاد فيما تواجه صناعة النفط الإيرانية واحدة من أصعب مراحلها منذ الثورة عام 1979. وتشير بيانات تتبع ناقلات النفط وتقارير دولية، بينها تقارير "رويترز" و"بلومبرغ"، إلى أن تحميل الخام الإيراني في أيلول/سبتمبر اقترب من مستويات شديدة الانخفاض تحت ضغط الحصار والعقوبات، بعدما كانت أرقام الصادرات قد بدت أكثر تفاؤلاً خلال الأشهر الأولى من السنة. وتفتح الاستقالة أسئلة عن التطورات التي دارت خلف الكواليس وجعلت استمرار الوزير في منصبه أكثر صعوبة، رغم رغبة مسؤولين إيرانيين في بقائه. وخلال الأشهر الماضية، قدمت وسائل إعلام إيرانية روايات متباينة، وأحياناً متناقضة تماماً، عن آليات بيع النفط والصراع المحيط بها. وترددت أيضاً اتهامات بأن أطرافاً مختلفة دفعت مبالغ لوسائل إعلام بهدف ترسيخ روايات محددة والتأثير في الرأي العام. واستمرت هذه الحرب الإعلامية بعد خروج باك نجاد، وانتقلت إلى تفسير أسباب استقالته. فبعض الأطراف يقدمه ضحية لصراع شبكات فساد نافذة، فيما يتهمه آخرون بالمشاركة في هذه الشبكات ويطالبون بمحاكمته. وأثارت تقارير وأخبار غير رسمية خلال الأشهر الأخيرة اهتمام الأجهزة الرقابية بطريقة بيع النفط ونشاط "الشبكة المعروفة باسم التراستيّين"، وبمسألة عدم إعادة جزء من العائدات النفطية إلى البلاد،ما زاد الضغوط على باك نجاد. كما نشرت وسائل إعلام داخل إيران وخارجها سلسلة من الادعاءات والتسريبات، من بينها أن الوزير حصر، تحت ضغط مؤسسات عسكرية وأمنية، بيع النفط بأشخاص مرتبطين بهذه المؤسسات، فيما كانت قدرته محدودة على إجبارهم على إعادة الأموال الناتجة من عمليات البيع. وطُرحت في سياق هذه التسريبات أسماء عدة، بينها سعيد صادقي وحسين شمخاني ومحمد جواد باوند وعلي بايندريان وروح الله رضوي ومحمد مهدي مؤمنين. وبقيت حقيقة الاتهامات الموجهة إلى هؤلاء موضع خلاف، سواء لجهة ارتكاب مخالفات أو جرائم، أو لجهة ارتباط ما نُشر عنهم بصراعات داخلية وتعقيدات بيع النفط تحت العقوبات. ومن بين الادعاءات المتداولة، ما نشره ناشط على وسائل التواصل الاجتماعي يدعى مجتبى عن أن وزير النفط باع 40 ناقلة نفط بسعر منخفض جداً إلى شخص يدعى حسين آقاياري، وصفه بأنه من العناصر المرتبطة بالحرس الثوري، ثم أوكل إليه بيع 90 مليون برميل من النفط. وبحسب الادعاء نفسه، لم يدفع آقاياري بعد بيع النفط أي أموال إلى وزارة النفط، فيما عجز الوزير عن اتخاذ إجرا