بعد ثلاثة أعوام على الثامن من أكتوبر اليوم الذي أطلق خلاله "حزب الله" حرب الإسناد لغزة، يبدو المشهد الداخلي في لبنان مختلفاً جذرياً عما كان عليه قبل ذلك التاريخ، والتغيير لم يقتصر على موازين القوى، بل طاول الدولة بمفهومها المؤسساتي في الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، اتخذ في لبنان قرار من أخطر القرارات في تاريخه الحديث، من دون أن يصدر عن مجلس الوزراء الذي ينيط به الدستور أمر الحرب والسلم. فقد فتح "حزب الله" جبهة الجنوب "إسناداً" لغزة، معلناً التضامن مع الفلسطينيين، وترك للبنانيين جميعاً، من أي طائفة ومنطقة، أن يدفعوا الثمن، فكانت النتيجة سقوط 8953 قتيلاً و30649 جريحاً، ناهيك بخسائر مادية تقدر بأكثر من 20 مليار دولار. كان لقرار الثامن من أكتوبر تداعيات على المستوى السياسي اللبناني شكلت بحد ذاتها نقلة في لبنان من مقلب لآخر. فبعد ثلاثة أعوام، يبدو المشهد الداخلي مختلفاً جذرياً عما كان عليه قبل ذلك التاريخ، والتغيير لم يقتصر على موازين القوى، بل طاول الدولة بمفهومها المؤسساتي. وقد مر لبنان بعد حرب خريف 2023 بحربين، الأولى بلغت ذروتها في خريف 2024 باغتيال الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله، وانتهت بوقف إطلاق النار في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه، والثانية اندلعت في مارس (آذار) 2026 حين جر الحزب البلاد إلى الحرب الإقليمية بهجومه على إسرائيل، انتقاماً لمقتل المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية علي خامنئي قبل أيام قليلة. وبين الحربين، انتخب رئيس للجمهورية، وتشكلت حكومة لا ثلث معطلاً للحزب فيها، واتخذت للمرة الأولى منذ اتفاق الطائف قرار حصر السلاح وحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لـ"حزب الله"، ثم ذهبت السلطة السياسية إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، وإلى توقيع اتفاق إطار برعاية أميركية، وصفه أمين عام "حزب الله" نعيم قاسم بأنه "باطل" وبأنه تفريط بالسيادة. يرى كثر أن ما تغير بعد الثامن من أكتوبر هو خريطة الشرعية قبل خريطة القوة، فقد ربحت الدولة الحجة السياسية والقانونية والدولية واستعادت المبادرة، وخسر الحزب احتكار القرار وإن لم يخسر القدرة على التعطيل. وتبدلت البيئة الشيعية في أولوياتها، وتقدمت عندها أسئلة عن حقيقة حماية الطائفة وعن العودة والإعمار، من دون أن تغير ولاءها السياسي. وبعد الثامن من أكتوبر تفككت أيضاً الخريطة القديمة للخصوم والحلفاء من دون أن ترسم خريطة جديدة نهائية، غير أن مسألة السلاح لم تحسم بعد، ومعها مسألة من يملك الزناد. لافتة تحمل شعار "لبنان أولاً" تم حرقها على طريق مطار بيروت (أ ف ب) قبل الثامن من أكتوبر كان لبنان يدار بمنطق التعطيل، فقد خلت رئاسة الجمهورية منذ خريف 2022، وتولت الحكومة تصريف الأعمال، وتعطلت المؤسسات بانتظار تسويات خارجية، قبل أن تكون داخلية. وقام التوازن الداخلي على فائض قوة يستخدم للتعطيل أكثر مما يستخدمه للبناء. وكان البيان الوزاري يكرس معادلة ثلاثية "جيش وشعب ومقاومة" التي غابت للمرة الأولى عن بيان حكومة 2025 التي يترأسها الرئيس نواف سلام. وقبل الثامن من أكتوبر أيضاً كانت الحدود الجنوبية خارج قرار الدولة اللبنانية فعلياً، والقرار الأممي 1701 نصاً بلا تطبيق. وهكذا كان قرار الحرب والسلم، المنصوص عليه دستورياً في صلاحيات مجلس الوزراء، قراراً تتخذه جهة غير دستورية، وتتحمل تبعاته دولة لا تملك أن تقول لا. عودة الدولة قرار أكثر منها ميداناً أبرز ما تغير في المشهد اللبناني بعد أحداث الثامن من أكتوبر، هو عودة المؤسسات إلى موقع القرار. فانتخاب قائد الجيش العماد جوزاف عون رئيساً في يناير (كانون الثاني) 2025 أنهى شغوراً رئاسياً دام أكثر من عامين، وتشكلت بعده حكومة لم يتمكن الحزب، من فرض رؤيته في تشكيلها كما اعتاد في الماضي. ثم جاء قرار أغسطس (آب) 2025 بحصر كل سلاح غير شرعي وتكليف الجيش اللبناني تنفيذ المهمة، وهو قرار كان يعد قبل أعوام من المحرمات السياسية. وبعدها وفي الميدان أعلن الجيش في مطلع 2026 أنه يمسك بالسيطرة العملياتية جنوب الليطاني باستثناء خمسة مواقع إسرائيلية، قبل أن تعيد حرب مارس خلط الأوراق في الجنوب ولبنان بأسره. أما أوضح تعبير عن هذا التحول فهو اتفاق الإطار الموقع في الـ26 من يونيو (حزيران) 2026، بين ثلاثة أطراف وهي لبنان وإسرائيل وأميركا. واتفاق الإطار هذا هو وثيقة من 14 بنداً وقعتها الدولة اللبنانية بصفتها دولة، وتنص على أنه لا مطالب لإسرائيل في الأراضي اللبنانية، وعلى أن الجيش سيكون في نهاية المطاف السلطة في الجنوب بانتظار نزع سلاح الجماعات غير الحكومية بشكل موثق. لكن عودة الدولة تبقى ناقصة لأن تنفيذ الاتفاق متعثر، وقد طالب رئيس الحكومة في واشنطن بآلية تحقق موثوقة، وهو اعتراف ضمني بأن النص وحده لا يكفي، ولأن إسرائيل ما زالت تنفذ ضربات وتحتل مساحة من الجنوب