ردً رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، على سؤال الإعلامي البريطاني، بيرس مورغان، عن طبيعة ما تقوم به إسرائيل في قطاع غزّة، بأن ما يُرتكب هناك "جرائم حرب"، وأن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو مسؤول عن ذلك، وهو "مجرم حرب". والموقف القطري واضح، الرفض التام لأعمال الجيش الإسرائيلي في كل من فلسطين ولبنان وسورية، ولقرارات حكومة نتنياهو التي تزداد انعزالية، وهي التي تشجع مستوطنيها على ممارسة الإرهاب بحقّ الفلسطينيين، فما عبّر عنه زعيم المعارضة الإسرائيلية، يئير لبيد، بانه مؤلم، خطير وينذر بحروب في المنطقة طويلة الأمد. إذ قال إنه التقى فتيةً إسرائيليين صغار السنّ أبدوا تأييدهم قتل جميع الفلسطينيين في قطاع غزّة بمن فيهم الرضّع. وليس هذا تفصيلاً عابراً أن تتحول إسرائيل إلى كيان متطرّف، والطابع الديني التعصبي يصبح الصوت الناخب فيه ذات أغلبية يمينية، تأتي بالأحزاب المتطرفة إلى السلطة. إذ تفيد إحصاءات رسمية بأن نسبة المهاجرين من الإسرائيليين نتيجة الحرب المستمرة هي الطبقة المثقفة وذات الشهادات الجامعية، وهذا ما يعزّز حظوظ نتنياهو لتحقيق فوز جديد في انتخابات الكنيست المرتقبة في 27 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري. تعمل إسرائيل بقيادة نتنياهو على توسيع نفوذها في المنطقة عبر سياسات ممنهجة لا تقف فقط عند الجانب العسكري، المتمثل في تدمير مقومات الحياة في غزّة وجنوب لبنان، لكنّها أيضاً تستخدم دبلوماسيتها لضرب مصداقية كل دولة تقاوم مشروعها التوسعي لبسط النفوذ. لهذا، لم يكن هجوم نتنياهو على قطر في الجمعية العامة للأمم المتحدة، مفاجئاً، ولا هو بمعزل عن حملات إسرائيلية بدأت منذ سنوات ضد الدوحة، للنيْل من شرعية قطر على الساحة الدولية... ولكنهم لن ينالوا. "الشمس شارقة، والناس شايفة" هذا المثل الشعبي الذي ينطبق على الواقع الإجرامي لحكومة نتنياهو. وهذا ما حذر منه سفيرها الأسبق لدى إيطاليا وفرنسا، آفي بازنر، في الـ28 من الشهر الماضي (سبتمبر/ أيلول)، من مواجهة بلاده "عزلة دبلوماسية"، تشبه التي عانت منها جنوب أفريقيا إبان عهد الفصل العنصري. وجاء تحذيره هذا بعد مشهدية الأمم المتحدة في أثناء كلمة نتنياهو، إذ في تعبير لافت عن الغضب الدبلوماسي المتصاعد على إسرائيل، غادر عشرات الدبلوماسيين ونحو 77 وفداً قاعة الأمم المتحدة احتجاجاً. إسرائيل بحسب صحيفة لوموند الفرنسية في حالة متصاعدة من العزلة الدبلوماسية الدولية، بسبب استمرار الحرب وسياسة حكومة نتنياهو. وفي مقابل هذه السياسة التدميرية تلعب قطر دوراً مقاوماً، وهذا ما يزيد من الحالة الهيستيرية عند العدو. فالدولة لا توقف حدود المواجهة عند الجوانب الإعلامية والدبلوماسية للإجرام الإسرائيلي الذي لم تسلم منه العاصمة الدوحة في 9 سبتمبر/ أيلول 2025، التي تعرّضت لعدوان إسرائيلي. لكنها تقاوم على مختلف الصعد، خصوصاً في الوقوف إلى جانب شعوب المنطقة المنكوبة، ولا تبخل في تقديم الدعم المادي لحكومات المنطقة... اسألوا لبنان، فهو خير شاهد على وقوف الشقيق القطري إلى جانبه. تعمل قطر على مساندة القضايا الإنسانية في الشرق الأوسط كما في سائر الدول، هي التي تخصص بتوجيه من أميرها، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ميزانيات لمساندة شعوب المنطقة. فهي دولة مقاومة للمشروع الاستيطاني التوسعي لدى حكومة نتنياهو، حيث تخصص من أجل إعادة الإعمار في ظلّ المنهجية التدميرية التي يعتمدها العدو. فإن إعادة الإعمار للمناطق المدمرة، هي مقاومة أيضاً في وجه مخطّطات هادفة إلى فرض التهجير والتغيير الديمغرافي للسكان الأصليين على حساب "الشتات". يشكل لبنان النموذج الأوضح لمساندة قطر استمرار حضوره وعدم الانزلاق في مشاريع إسرائيل التوسعية، فالدوحة تقف دائماً إلى جانب الدولة للبنانية من خلال دعم إعادة الإعمار. وما عبارة "شكرًا قطر" التي ردّدها كل لبناني بعد عدوان 2006 إلا دلالة على موقف المقاومة الذي تنتهجه. ليس الإعمار فقط ما تدعم فيه قطر الدولة اللبنانية، لكنّها وقفت إلى جانب المؤسّسة العسكرية، إذ تبنّت حكومة قطر تقديم مساعدات مادية مباشرة لأفراد المؤسسات العسكرية والأمنية لمواجهة الأزمة الاقتصادية والانهيار المالي اللذين شهدهما لبنان بعد 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2019 بعدما كان الهدف تدمير القطاع المصرفي وتشتت المؤسسات الأمنية والعسكرية وإغراق البلاد في فوضى. يستفز دور قطر هذا الجانب الإسرائيلي الذي كان يقدّم نفسه في صورة الدولة الديمقراطية في الغرب، لتجد نفسها أن هناك من يعرّيها ويكشف زيف ادعاءاتها. هذا ما حمل نتنياهو على محاربة وإسكات كل فكر تنويري انفتاحي يرفع صوت الإنسانية عالياً، لهذا يعمد إلى النيْل من مكانة قطر... ولن ينالوا.