لم يحتج الشمال إلى عاصفة استثنائية كي ينكشف واقعه. ساعات قليلة من الأمطار الغزيرة والرياح العاتية كانت كافية لتعرية هشاشة البنى التحتية، ووضع الطرقات وشبكات الصرف والجسور أمام اختبار حقيقي لم تصمد أمامه. فمن عكّار إلى طرابلس، رسمت السيول مشهدًا متكررًا من الطرقات الغارقة والانهيارات وتساقط الصخور والأشجار وألواح الطاقة الشمسية، فيما تسللت المياه إلى المنازل والممتلكات، مثيرةً علامات استفهام جدية حول مستوى الاستعداد لموسم الشتاء. وفي عكّار، بلغت كمية المتساقطات في شدرا 123 ملم، واجتاحت السيول عددًا من البلدات والطرقات، وغمرت المياه أجزاءً من طرق منجز وشدرا ومشتى حسن. كما سُجّلت انهيارات ترابية وصخرية على عدد من الطرق، إلى جانب تضرر جسر في محلة الشماس بمشتى حمود. وفي ببنين، أدى انهيار حائط دعم في دارة آل ديب السعيد إلى تضرر ما لا يقل عن 4 سيارات. أما في طرابلس، فغمرت المياه سوق البازركان وأوتوستراد البداوي، وسقطت أشجار وألواح للطاقة الشمسية في الزاهرية وأبي سمراء وطريق المئتين، فيما تسبب انهيار جزء من الجبل عند نزلة القبة بتساقط الصخور على الطريق. ولم تقتصر تداعيات المنخفض على الأضرار المادية، إذ كادت السيول في وادي النحلة–البداوي أن تتحول إلى مأساة بعدما جرفت طفلًا، قبل أن يتمكن الأهالي من إنقاذه. كما تسببت صاعقة بأضرار جسيمة في ألواح للطاقة الشمسية في التبانة، فيما اندلعت النيران في أرض قرب منزل في بلدة البيرة العكارية، إثر صاعقة تزامنت مع هطول الأمطار. وفي مشهد يعكس عمق المشكلة، عادت أزمة الصرف الصحي في «الخط الغربي» بخراج مشتى حمود إلى الواجهة، بعدما غمرت مياه الصرف المنطقة ووصلت إلى محيط المنازل وثانوية الشهيد وليد عيدو. ودفع ذلك الأهالي إلى قطع الطريق احتجاجًا ومطالبة الجهات المعنية بالتدخل، وسط تحذيرات من تداعيات صحية وبيئية وزراعية، ولا سيما على المياه الجوفية والينابيع والآبار التي يعتمد عليها المزارعون. وبذلك، لم تكن العاصفة مجرد حالة جوية عابرة، بل إنذارًا مبكرًا لما قد يحمله الشتاء المقبل. فالمشكلات التي ظهرت خلال ساعات تطرح سؤالًا أساسيًا: لماذا لم تُعالج مجاري الصرف والنقاط السوداء، ولم تُنجز الصيانة اللازمة للطرقات والجسور خلال الصيف؟ وهل تتحرك البلديات والجهات المعنية لمعالجة ما كشفته العاصفة ورفع مستوى الجهوزية، أم يبقى الشمال ينتظر المنخفض المقبل لتتكرر المشاهد نفسها؟ العاصفة مرّت، لكن ما كشفته لم يمرّ... فالمنخفض الجوي لم يصنع هذه المشكلات، بل أظهرها أمام الجميع.