تسارعت الأحداث والتطوّرات خلال الأسبوعين الأخيرين في البحر الأحمر ومحيطه بشكل غير مسبوق، فجماعة "أنصار الله الحوثية" شنّت هجوماً عسكرياً مفاجئاً انطلاقاً من مدينة الحديدة على ساحل البحر الأحمر باتجاه باب المندب من أجل السيطرة على الشريط الساحلي الغربي لليمن وفرض سيطرتها الكاملة وتحكّمها بشكل مطلق بمضيق "باب المندب" وبالتالي فرض الشروط التي تريدها، والتحكّم بعبور السفن وناقلات النفط ما يعني التحكّم أيضاً بأحد أبرز طرق التجارة الدولية، وهو ما يؤدّي إلى إلحاق أضرار بدول كثيرة وكبيرة، ومن بينها، بشكل أساسي، السعودية التي تصدّر وتستورد الكثير من السلع والنفط عبر هذه المضيق، وكذلك مصر، التي قال رئيسها، إنّ اقتصادها خسر أكثر من عشرين مليار دولار خلال الأعوام الأخيرة كانت تؤمّنها للخزينة المصرية قناة السويس، وذلك بسبب الأحداث في البحر الأحمر بشكل أساسي. ولا بُدّ من التذكير أنّ المعارك والمواجهات العسكرية بين "الجماعة الحوثية" وبين قوات الجيش اليمني التابع للحكومة المعترف بها عربياً ودولياً ما تزال مستمرة في محاذاة الشريط الساحلي الغربي لليمن عند قمم الجبال المشرفة على هذا الشريط، وعلى باب المندب بشكل رئيسي في جبال "كهبوب". على المقلب الآخر للبحر الأحمر من الناحية الإفريقية، اندلع منذ أيّام قتال عنيف في أثويبيا بين جيش إقليم "تيغري" (شمال أثيوبيا) وبين القوات الأثيوبية التابعة للحكومة، وهو نزاع قديم يتجدد كلّ فترة بين الإقليم الذي يطالب بالاستقلال، وبين الحكومة المركزية التي ترفضه ولا تعتمد مع الإقليم لامركزية تعطيه بعض الحقوق التي يعتقد أنّها من حقّه. هذا القتال الذي نشب في أثيوبيا لا يمكن فصله عن أحداث المنطقة بشكل عام، كما لا يمكن فصل ما جرى في اليمن عن أحداث وحرب والخليج وتداعياتها. فكما أنّ أحداث اليمن ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحرب الخليج، وتحديداً قضية المضائق واستخدامها كأحد أدوات الحرب والتأثير على الاقتصاد العالمي والسياسات العالمية، والضغط على دول المنطقة خاصة في الجزيرة العربية، سيّما السعودية بشكل أساسي، إمّا لمحاصرتها ومنعها من تصدير النفط كإجراء يضغط عليها للهيمنة على قرارها وإخضاعها؛ وعلى الولايات المتحدة الأمريكية لرفع كلفة شنّها الحرب على إيران، وبالتالي إرباكها وجعلها تتراجع عن هذه الحرب وتنزل على الشروط الإيرانية، وهو محاولة لإنهاء الحرب بانتصار إيران وخسارة الولايات المتحدة للحرب. وإمّا لدفع السعودية نحو التطبيع مع كيان الاحتلال الإسرائيلي والدخول في اتفاقات "أبراهام"، والضغط عليها للتنازل عن مطلب إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وبالتالي إنهاء الصراع لصالح كيان الاحتلال الإسرائيلي من خلال تصفية القضية الفلسطينية، وتربّع "إسرائيل" على عرش المنطقة. كما وأنّ مصر لها حصّة من الحصار لإرغامها على الخروج من المعادلات الإقليمية، والنزول على الشروط المتصلة بنتائج محاولات "إسرائيل" الهيمنة على المنطقة. وبالعودة إلى الحديث عن القتال في أثيوبيا فإنّ ذلك لا يمكن فصله عن تلك الأحداث سواء في اليمن أو في الخليج العربي. كانت هناك محاولات إسرائيلية عديدية للسيطرة على الساحل الإفريقي الشرقي على البحر الأحمر؛ فإسرائيل اعترفت بجمهورية "أرض الصومال"(شمال الصومال) وعملت على تأمين تواجد عسكري فيها، وربما إقامة محطات مراقبة ورصد لحركة السفن في باب المندب. وتربطها أيضاً علاقات قويّة بأثيوبيا، فهي التي كانت المصدر الرئيس لتمويل ورعاية وحماية "سدّ النهضة" الذي أقامته وشيّدته أثيوبيا على نهر النيل بهدف الإضرار بمصر واقتصادها ومحاصرتها مائياً، ومعلوم أنّ نهر النيل هو الشريان المائي الوحيد لمصر. وهي (إسرائيل) التي تدعم مع الإمارات العربية المتحدة قوات الدعم السريع في السودان لتقسيم السودان مرّة أخرى، في مقابل دعم مصري سعودي للجيش السوداني التابع للحكومة للمحافظة على وحدة السودان. على المقلب الآخر فإنّ إيران عبر جماعة الحوثي حاولت أن تجتاز الساحل اليمني الغربي إلى الساحل الشرقي الإفريقي من خلال تأمين دعم لحركة الشباب في الصومال (حركة ضد الحكومة المؤيّدة والمدعومة من السعودية وتركيا)، بهدف الإمساك بجزء من الساحل الشرقي الإفريقي على سواحل البحر الأحمر ومضيقه. جاءت أحداث القتال بين إقليم تيغري وأثيوبيا على مقربة من سواحل البحر الأحمر الغربية كجزء من محاولات التحكّم بالبحر الأحمر وإفشال سياسات القوى التي تريد الهيمنة عليه والتحكّم به، وهو ما ينذر بتوسّع وتشعّب الصراعات والحروب وتحويل هذه المنطقة إلى ساحة صراع مفتوحة تُضاف إلى الصراع والحرب القائمة في الخليج العربي وفي بلاد الشام، وهو ما يُنذر باندلاع حرب إقليمية واسعة قد تتحوّل في أيّة لحظة إلى حرب عالمية كبرى، فهل تمتزج مياه البحر الأحمر بالدماء التي يمكن أن تُراق على شواطئه ليصير أحمر فعلاً؟! بيروت في 30/9