في زمنٍ تضيق فيه الرواية العربية أحياناً في ثنائيات جاهزة، بين الواقعي والخيالي، بين المحلي والعالمي، بين السياسي والروحي، تأتي رواية "الهارب" للروائية والأديبة الدكتورة ناتالي الخوري غريب، الصادرة عن "دار سائر المشرق" في بيروت، في طبعتها الأولى، لتنبش في طبقات أعمق من التجربة الإنسانية، ولتطرح سؤالاً قديماً جديداً: هل الهروب هو هروب من الحياة، أم هو بحث عن الحياة؟ إنها ليست رواية عن الهروب بالمعنى السلبي للكلمة، بل هي رواية عن البحث: البحث عن المعنى، عن الجذور، عن الذات المتشظية بين ما نُظهره وما نُخفيه، بين ما نرثه وما نختاره. تنطلق الرواية من حدثٍ بسيط ظاهرياً: اختفاء رند، رجل الأعمال والمثقف والصوفي، الذي يغادر حياته فجأة من دون تفسير، تاركاً خلفه منزلاً مغلقاً، وقطّة، وأصدقاء حائرين، وذاكرة مثقلة بالأسئلة. لكن هذا الاختفاء سرعان ما يتحوّل إلى محرّك سردي يجرّ خلفه شخصيات متعددة، كلّ واحدة منها تحمل نسخة خاصة من رند، ونسخة خاصة من نفسها أيضاً. وهكذا تبني الرواية فسيفساء من وجهات النظر، تماماً كما يبني الصوفي معرفته من تعدد الطبقات. من أبرز ما يميز "الهارب" هو توظيفها للتصوّف ليس كموضوع، بل كبنية معرفية وروحية تنظم السرد بأكمله. الرواية لا تتعامل مع التصوّف كتراث جامد أو كزخرفة، هي تعيد إحياءه كسؤال حي: ما معنى أن يهرب الإنسان من ضجيج العالم؟ ما معنى أن يبحث عن "الكنز" داخل القلب؟ ما العلاقة بين الظهور والخفاء، بين السوق والخلوة، بين الاسم واللامسمى؟ عبارات المتصوف من القرن الخامس عشر، خوجة أحرار، مثل "إذا صحّ القصد، صحّ الطريق"، و"النفس تريد الظهور، الطريق يريد الخفاء"، و"الكنز في القلب"، تتحول من مجرد مقولات صوفية إلى مفاتيح لفهم بنية الرواية نفسها. واللافت أن الكاتبة لا تقدّم التصوّف كحل جاهز أو كنظام مغلق، بل تعرضه كتجربة قابلة للنقاش والنقد. نجد في الرواية أصواتاً تعارض التصوّف، وأصواتاً تشكك فيه، وأصواتاً تعتبره هروباً من المسؤولية الاجتماعية. وهذا التعدد في المواقف يمنح الرواية عمقاً فكرياً ويجنّبها الوعظ المباشر. ناتالي الخوري غريب: الكاتبة التي تُسافر إلى الأماكن لتُؤاخيها من أبرز ما يميّز تجربة ناتالي الخوري غريب في "الهارب" هو ذلك الحضور الطاغي للمكان بصفته كائناً حياً، وليس مجرد خلفية للحدث. الكاتبة لا تكتب عن الأماكن من بعيد، هي تُسافر إليها، وتُؤاخيها، وتُصادقها، حتى تصبح هذه الأماكن شريكة في الكتابة نفسها. سمرقند، بخارى، شاه زنده، إسطنبول، بيروت، شانغ ماي... كلها ليست مجرد أسماء على خريطة، فقط فضاءات روحية تُساهم في تشكيل وعي الشخصيات وفي بلورة أسئلتها الوجودية. هنا تكمن إحدى أعمق خصوصيات هذا العمل: الكاتبة تستحضر الماضي إلى الآن، وتسرق الحاضر إلى الماضي، لكي يتجانسا. فالماضي في "الهارب" ليس ذكرى جامدة تُروى، هو قوة حاضرة تعمل في اللحظة الراهنة. والحاضر ليس مجرد زمن آنيّ، هو امتداد لأسئلة الأجداد، ولجراح التاريخ، ولأصوات الأولياء والصوفية. وهكذا يتشكّل زمن روائي متجانس، لا يفصل بين ما كان وما هو كائن، بل يجعلهما نسيجاً واحداً، خيطاً واحداً في ثوب التجربة الإنسانية. إن هذا التجانس الزمني هو ما يمنح الرواية عمقها ويجعلها تتجاوز السرد الخطي التقليدي. فالكاتبة لا تروي حكاية تبدأ وتنتهي، هي تبني ذاكرة متواصلة، تتقاطع فيها الأزمنة والأمكنة، وتتحاور فيها الأصوات، وكأن الرواية نفسها صلاة صوفية طويلة، أو رحلة في طريق لا نهاية له. البنية السردية: رواية بأصوات متعددة وطبقات متداخلة لا تعتمد "الهارب" على سردٍ خطي واحد، بل تبني عالمها من تعدد الأصوات والطبقات. فهناك صوت الراوي الذي يتابع الأحداث، وهناك أصوات الشخصيات التي تروي بدورها، وهناك الرسائل والمخطوطات والمذكرات التي تتداخل مع السرد. هذا التعدد لا يشتّت القارئ، بل يجعله مشاركاً في بناء المعنى، وكأن الرواية نفسها "طرقٌ" يُقطعها القارئ مع الشخصيات تقود إلى "طريق"، لا "حكاية" تُروى له من الخارج. تكتب ناتالي الخوري غريب بلغة عربية فصيحة، لكنها ليست لغة أكاديمية جافة. إنها لغة تحمل نَفَساً شعرياً واضحاً، مع قدرة على الانتقال من التأمل الهادئ إلى الحوار الحاد، ومن الوصف الحسي إلى التأمل الميتافيزيقي. وتوظّف الكاتبة الترميز بكثافة: الألوان، الأشجار، الحجر، الماء، النار، الأسماء، الأرقام، الحروف. الرواية مليئة بالإشارات التي تحتاج إلى قراءة متأنية، وهذا ما يجعلها من الأعمال التي تعيد قراءتها مرات ومرّات. لعل من أذكى الخيارات الفنية في الرواية هو توظيف شخصية جحا كرمز صوفي. فجحا، الذي يبدو في الظاهر شخصية فكاهية، يتحوّل في الرواية إلى رمز للعقل الذي يخفي الحكمة وراء السخرية، وللغة التي تقول أكثر مما تظهر. هذا التوظيف يعكس فهماً عميقاً للتراث العربي والإسلامي، ويجع