أنا ابن بيئة فلاحية ولدت فيها وعشت تفاصيل الحياة كما هي. شاركت أهلي في أعمالهم وأتقنتها، ورثت عنهم معارفها وأبقيتها صافية، صادقة وصالحة. نزرع الزيتون واللوز والجوز والعنب والتين والرمان والسماق في كل أرض نراها صالحة. نسقيها بدلاء من الماء نجلبها على ظهور الدواب من مكان بعيد إلى أن تنمو وتصمد. نقطف ونأكل حاجتنا مما نقطف من مواسمنا، ونهدي الجيران والأصحاب بكرم وحب من القلب لمن نهدي، ونبيع الفائض من مواسمنا ونعيش مطمئنين إلى غدنا ومقتنعين بما قسم الله لنا من خيره. نصنع بأيدينا زيت الزيتون الفاخر لحاجتنا من مواسمنا ولبيع الفائض من خير مواسمنا، ونصنع منه صابون زيت الزيتون البلدي معطرًا بعطر ورق الغار، لا غش فيه، ونصنع بأنفسنا ماء الزهر وماء الورد ودبس العنب ودبس الخرنوب ودبس الرمان، ونصنع الخل والنبيذ والعرق البلدي الفاخر والزبيب ومربيات الزهر ومربيات التين، مؤونة للشتاء. نجمع زهر الزعتر والزوبع والسماق، ندقه في جرن الكبة وننخله بالمنخل، ونصنع خلطة زعتر بزيت الزيتون ونغنيها بالسمسم، وتنشر عند التحميص رائحة عطرة تملأ الجو، تثير الشهية وتدعو المارين على الطريق إلى المشاركة عن طيب خاطر ومحبة بمنقوشة الزعتر بزيت الزيتون، ساخنة في الصباح، شهوة لمن يشتهي. يكاد لا يخلو بيت من بيوت ضيعتنا الصغيرة من منقوشة الصباح، وأهلاً وسهلاً، تفضلوا، كلام صادر عن القلب وليس من الشفاه فقط. نجمع في أيام الصيف، بينما نقطف العنب والتين من حقولنا، نباتات الزوفا العطرية وبعض النباتات الطبية مثل البابونج وغيرها، نجمعها باقات ونحتفظ بها لأيام البرد في الشتاء، ونصنع منها شراب الزوفا المخلوط بحبات اللوز والجوز المكسرة، ويزيدها شبشول الذرة المجفف نكهة طيبة. إن الساخن من هذا الشراب يتمتع بقدرة عجائبية على تخفيف السعلة وربما الشفاء منها. كنا نجمعها كما نجمع الحطب للطبخ والتدفئة، مؤونة إلى أيام البرد والمطر. نصنع نبيذنا الفاخر بأيدينا، نصنعه من عناقيد حبات عنب ذهبية ناضجة سليمة، ونستخرج بعد تخمير تطول مدته مئة وأربعين يومًا في وعاء محكم نبيذًا شهيًا أقرب منه إلى الحلو من نبيذ الطاولة كما يعرفه الشاربون. لا ندخل في نبيذنا عطرًا اصطناعيًا كما يفعل خمارو اليوم، ولم نكن نعرف الحيلة والغش، فقط كنا نغطي عناقيد العنب الفاخر بأغصان البطم والصنوبر وأغصان الحنبلاس والطيون خلال نشره في الشمس على أسطح المنازل لمدة يومين أو ثلاثة لتقليل أثر الحرارة قبل عصره، بعدما يصبح العنب أقرب إلى الزبيب، ويتكثف السكر في داخله ويكتسب من الأغطية النباتية نكهة طبيعية لذيذة. أما العرق المثلث الفاخر الذي نستخرجه من دموع عناقيد عنبنا، فكنا على موعد مع عرس يوم استخراجه، نقطة بعد نقطة في أيام البرد، ونجري في المناسبة مباريات تشتد أحيانًا لاختيار من سيكون سيد المتكأ لمدة موسم كامل وسيد الطاولة ويحظى بتقدير واعتزاز العراقيين. بعدما تمكنت من معارفي في كيمياء الخل والكحول وكيف تتحول الكحول إلى خل بعدما تتدنى درجة الكحولية إلى أقل من ٤٪، صرت أستخرج العرق الفاخر الأكثر جودة من النبيذ الصافي وليس من العناقيد مباشرة، فقفزت جودة العرق قفزة نوعية ميزته. في هذا الجو من الصدق والأمانة التي لم نتعرف إلى غيرها، عشت وبقيت متمسكًا بها. ابتلعت المدينة الضاحية وخضع الأهالي لعملية استدراج، وابتلعوا الطعم كما تبتلع السمكة الطعم، وباعوا أرضهم، استبدلوها (قرد ودب ومستلزمات لعب الورق والتسكع حاملين المسابح واللهو)، وتحولت الحقول الخضراء إلى كتل إسمنتية باهتة. ربما يكون صحيحًا عندما نقول إنها حالة حتمية لكل ضاحية تهجم عليها المدينة، دون التنبه للإنذار المتكرر، ولكن الغصة تستمر عالقة في الحلق ولا تزول بسهولة. عندما سكتت الثعالب عن العواء في المساء وفي منتصف الليل وفي الصباح، بدأت أشعر بأني بدأت أفقد شيئًا من ذاتي كنت أعشقه. كنت أنتظر هذه الثعالب في كل مساء مع غروب الشمس، وأطرب عندما أراها تقف على قمم الصخور في أعلى التل قريبة مني نسبيًا، ترفع رؤوسها إلى السماء وتعوي، فأقول بأنها تشكو إلى الله تظلمًا أصابها. يا الله كم كنت أحبها وأحب عواءها. كانت بالتأكيد تراني وتعرفني وتطمئن إلى وجودي في بيئتها وقربها. في الصباحات كان عواؤها يطمئنني إلى أن الدنيا لا تزال بخير. ثم عندما ذبحوا الديكة في المزارب، لأنها لم تعد حاجة لإيقاظ الناس ولا حاجة بها لدعوتهم إلى النهوض للعمل في كرومهم، لأن الكروم قد استبدلت بالباطون المسلح، أيضًا شعرت أيضًا بأن عضوًا آخر من جسدي قد مات أيضًا. طبعًا طبعًا، الباطون لا يعوز فلاحة. إن الفلاحة تكسر الباطون والنتيجة متعارضة مع السبب الذي من أجله خلقت. وتموت الحياة كما كنت أعرفها شيئًا فشيئًا لتنشأ حياة أخرى لا لزوم لمن مثلي فيها. يجب أن أعي، أدرك وأقتنع بأني صرت فائضًا لا لزوم له. أنا