النبطية – قبل أن تشتد حرارة النهار، يكون سوق الاثنين في النبطية جنوبي لبنان قد بدأ يستعيد شيئا من حركته. سيارات تتوقف على أطراف السوق، وصناديق تُنزل منها، وبسطات (فرشة السوق) تُفتح واحدة تلو الأخرى، في حين يتنقل المتسوقون بين البضائع بحثا عن حاجاتهم. خلف هذا المشهد، تبدو آثار الحرب حاضرة في الأبنية المحيطة؛ دمار لم يختف بعد، ومدينة تحاول استعادة إيقاعها، في حين يعود السوق إلى موعده الأسبوعي وسط مكان لم يستعد عافيته كاملة. list 1 of 4عربة ملاهٍ تتجول في شوارع بيروت.. ما حقيقة الفيديو؟ list 2 of 4موسم العسل في لبنان يتراجع.. النحّالون يواجهون المبيدات والأمراض وارتفاع التكاليف list 3 of 4من النقل إلى التدفئة.. ارتفاع أسعار المحروقات يوسع أعباء المعيشة في لبنان list 4 of 4البحر طريقا بين المدن.. رحلة سياحية تعيد اكتشاف الساحل اللبناني لعقود، كان يوم الاثنين موعدا ثابتا لأبناء النبطية والقرى المحيطة بها، يأتي فيه الباعة من مناطق مختلفة، ويحملون منتجاتهم إلى المدينة، ويقصد المتسوقون السوق بحثا عن حاجيات بأسعار تناسب قدرتهم الشرائية. ومع الوقت تجاوز السوق وظيفته التجارية ليصبح جزءا من الحياة اليومية للمدينة، وملتقى يصل النبطية بقراها ومحيطها. لكن الحرب الإسرائيلية على لبنان قطعت هذا الإيقاع، تعطلت الحركة، وغادر الباعة، وتضررت أجزاء واسعة من المدينة والقرى المحيطة بها، فيما وجد كثير من أصحاب المصالح أنفسهم أمام سؤال أبسط من استعادة أعمالهم: أين يمكنهم أن يبدؤوا من جديد؟ أحمد عبد النبي يعرف الإجابة من تجربته الخاصة، قبل الحرب، كان لديه محل في صور ومكان ثابت يعود إليه كل يوم. أما اليوم، فيقف خلف بسطة في سوق الاثنين محاولا استعادة مصدر رزقه من نقطة مختلفة تماما. لم تكن الحرب مجرد توقف مؤقت للعمل بالنسبة إلى أحمد، هُجّر من بلدة العباسية إلى مدينة صيدا مع عائلته، وخسر محلّه في البلدة، وترك منزله في صور وراءه. وبعد كل ذلك، وجد نفسه يعود إلى السوق بحثا عن فرصة للعمل، ولو من بسطة لا تشبه المحل الذي اعتاده. منذ الصباح الباكر، يصل أحمد إلى السوق ليراقب حركة الناس والبسطات، ويتابع كيف تتبدل ملامحه من أسبوع إلى آخر. يلمس تحسنا تدريجيا في الإقبال مقارنة بالأسبوع السابق، لكن هذا التحسن، كما يراه، يظل هشا أمام أي تطور أمني؛ فالهدوء يعيد الناس إلى السوق ويزيد حركة البسطات، لكن يكفي ارتفاع منسوب التوتر ليتراجع الإقبال سريعا. بالنسبة إليه، لا يمكن للاقتصاد أن يتحرك من دون أمان. المتسوق الذي يخشى أن يضطر إلى مغادرة منزله من جديد لن ينفق بسهولة، والبائع الذي لا يعرف ما إذا كان سيتمكن من العودة إلى مكانه في الأسبوع المقبل سيحسب خطواته أيضا. على مقربة منه، يقف أبو حسن، وهو بائع قديم في السوق يبيع مستلزمات منزلية، ويرى الفارق بوضوح أكبر، فقد عرف المكان في سنوات كان فيها يوم الاثنين يعني ازدحاما يبدأ منذ الصباح، وبسطات متجاورة، وباعة يعرف بعضهم بعضا، ومتسوقين يأتون من قرى بعيدة. يتذكر سوقا لم يكن يحتاج إلى من يدعو الناس إليه؛ كان موعدا يعرفه الجميع. يأتي البائع محملا بما لديه، ويعرف أن هناك من ينتظره، وكان المتسوقون يخصصون جزءا من يومهم للسوق، ليس فقط لشراء حاجاتهم، وإنما للقاء المعارف والأصدقاء أيضا. اليوم، تبدل المشهد، الحرب فرقت الباعة والمتسوقين، وبعضهم خسر مصدر رزقه أو منزله، ولم يعد الطريق إلى السوق بالنسبة إلى كثيرين سهلا كما كان. ومع ذلك، تمنحه عودة البسطات شعورا بأن السوق لم يفقد مكانته كليا. فالمكان، بالنسبة إلى أبي حسن، ليس مجرد مساحة تجارية يمكن قياسها بعدد البسطات وحجم المبيعات؛ فثمة علاقة تراكمت على مدى سنوات بين السوق وأهله، ولذلك فإن عودته تعني استعادة جزء من الحياة المرتبطة بيوم الاثنين. ومن بلدة راشيا الفخار، يأتي لؤي محملا بالتين والصبّار، في ثاني عودة له إلى سوق الاثنين منذ أن اندلعت الحرب في سبتمبر/أيلول 2024، يضع بضاعته أمامه وينتظر حركة الزبائن، في مشهد يبدو بسيطا في ظاهره، لكنه يختصر طريقا أطول قطعه أبناء البلدات الحدودية منذ الحرب؛ طريق العودة إلى الأرض والعمل والأسواق. فالتين والصبّار على بسطته ليسا مجرد محصولين للبيع، بل ثمرة أرض يحاول أهلها استعادة حياتهم فيها، وتعيد عودة لؤي إلى السوق وصل ما انقطع بين ما تنتجه القرى اللبنانية الحدودية وما يصل إلى المستهلك في المدينة. وهكذا يصبح السوق مساحة تلتقي فيها آثار الحرب مع محاولات التعافي: مزارع يعود بمحصوله، وبائع يستأنف مهنته من بسطة، ومتسوق يعيد ترتيب حاجاته في مكان اعتاد أن يكون جزءا من أسبوعه. بين البسطات، لا يأتي المتسوقون اليوم بالطريقة نفسها التي كانوا يأتون بها قبل الحرب. أبو أحمد، أحد أبناء النبطية، اعتاد زيارة السوق، ويمر اليوم بين البضائع ويقارن الأسعار قبل