لم تكن الأنفاق التي حفرتها منظومة "حزب الله" في الجنوب والبقاع مجرد منشآت عسكرية، بل تعبيراً عن جغرافيا عسكرية نشأت في سياق التدخل الإيراني في لبنان، وقامت على منطلقات أيديولوجية ومذهبية جعلت من البيئة الشيعية جزءاً من مشروع إقليمي يتجاوز الدولة اللبنانية ومصالحها الوطنية. ولم يُنتج هذا المسار قوة موازية للدولة فحسب، بل أنتج جغرافيا مغلقة وثقافة مواجهة وموت، وعمّق الانقسامات داخل الاجتماع اللبناني، وراكم عداوات مع شرائح من الاجتماع السوري والعربي. والخروج من هذه النكبة لا يكون باستبدال نفوذ تنموي بالنفوذ العسكري، بل بإنهاء شروط التبعية نفسها. فالعلاقة بين إيران ولبنان ينبغي أن تكون علاقة دولة بدولة، عبر الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، فيما تقع مسؤولية النهوض بالمجتمع الشيعي على نخبه الوطنية، من خلال استعادة القرار الوطني والانخراط في الدولة المدنية. وبالاستناد إلى تقديرات متداولة، يمكن اعتماد نحو 30 مليار دولار كتقدير تقريبي للتدفقات المالية الإيرانية إلى "حزب الله" منذ 1982. ولا يعني ذلك أنها أنفقت كلها على الأنفاق أو البنية العسكرية، بل يقدّم مقياساً لحجم الموارد والفرصة التنموية الضائعة. فلو دخلت هذه الموارد في الدولة ومؤسساتها، لأمكن توجيهها إلى المياه والزراعة والطرق والطاقة والتعليم والصحة والإنتاج وفرص العمل، بما يوسّع أثرها من البيئة الشيعية إلى المجال الوطني كله. هنا تكمن المفارقة: اقتصاد التمركز العسكري أنتج جغرافيا مغلقة، أما الاستثمار التنموي عبر الدولة فينتج جغرافيا مفتوحة تتوزع منافعها بين المناطق والمكونات الاجتماعية. 1. من الجغرافيا العسكرية إلى الجغرافيا البشرية الجغرافيا العسكرية تنظر إلى الأرض ساحة للسيطرة والمواجهة، بينما تنظر الجغرافيا البشرية إليها مجالاً للسكن والعمل والإنتاج والتبادل والاستقرار. لذلك، فإن التحول المطلوب ليس إزالة منشأة عسكرية أو إعادة إعمار قرية فحسب، بل الانتقال من ثقافة الموت إلى ثقافة الحياة، ومن الأيديولوجيا إلى المصلحة العامة. فالإنفاق تحت الأرض يخلق قدرة على الحرب، أما الاستثمار فوق الأرض فيخلق قدرة على الحياة. 2. الليطاني: التنمية التي كان يفترض أن تصنعها المياه يمثل الليطاني نموذجاً للمفارقة بين الإمكان التنموي والجغرافيا المهملة. فالنهر وبحيرة القرعون يمكن أن يشكلا محوراً للمياه والري والزراعة والصناعات الغذائية والأسواق وفرص العمل، لكن التلوث وتعثر استثمار موارده حوّلا جزءاً من هذه الثروة إلى مشكلة بيئية وزراعية وصحية. المطلوب حالة طوارئ مائية ـ زراعية ـ تنموية تعيد تأهيل النهر وشبكات الري، وتحول المياه إلى سلسلة إنتاجية واضحة: النهر، القرعون، الري، الأرض، الزراعة، التصنيع، الأسواق، وفرص العمل. 3. الجنوب: من جغرافية المواجهة إلى جغرافية الإنتاج لا يمكن فصل مستقبل الجنوب عن إعادة بناء قاعدته الاقتصادية والاجتماعية. فإعادة إعمار المباني وحدها لا تعيد مجتمعاً فقد جزءاً من قدرته على الإنتاج، ولا تعيد الأرض إلى دورتها الزراعية، ولا تعالج البطالة والنزوح وتراجع الخدمات. المطلوب هو إعادة إنتاج المجال الجنوبي على قاعدة مختلفة: استصلاح الأراضي، حماية الموارد المائية، تحديث الزراعة، تطوير الصناعات الغذائية، تأهيل الطرق وشبكات النقل والطاقة، وربط الإنتاج بالأسواق الداخلية والخارجية. فالجنوب لا يحتاج إلى إعادة بناء جغرافية المواجهة، بل إلى بناء جغرافية الإنتاج. 4. البقاع وعكار: من اقتصاد التبعية إلى اقتصاد الإنتاج تكشف مناطق البقاع وعكار عن مشكلة أوسع: الفقر والهشاشة الاقتصادية وضعف فرص العمل والاعتماد على اقتصاد الرعاية والموارد الخارجية. ولا يكون تحرير المجتمع من التبعية بقطع علاقاته بالخارج، بل ببناء قدرة اقتصادية داخل الدولة، تمنح المجتمع قدرةً أكبر على إنتاج موارده وقراره، بدلاً من الارتهان لمصادر الرعاية والتمويل الخارجي. وفي شمال البقاع خصوصاً، لا تكفي مواجهة الزراعات المرتبطة بالاقتصاد غير النظامي بالمنع، فالبديل هو زراعة عالية القيمة تقوم على المياه والزراعة المتخصصة والتصنيع الغذائي والتعبئة والتصدير. ويمكن أن تشمل الأعشاب الطبية والعطرية والزيتون والعنب والفاكهة والمكسرات والعسل والخضر العضوية. وهنا يصبح الإنسان قبل المشروع: تدريب الشباب والمزارعين والعمال على الزراعة الحديثة، وترشيد مياه الري، والتصنيع والتسويق والتصدير والمهارات الرقمية. فالهدف ليس خلق مستفيدين جدد من الرعاية، بل مواطن منتج يمتلك هامشاً أوسع من الاختيار. 5. المجالات الحيوية التنموية مع سوريا لا يتخذ المجال اللبناني ـ السوري شكلاً واحداً. فالبقاع الشمالي وعكار ينفتحان على القصير وحمص وريفها، فيما يتصل البقاع الأوسط والغربي بدمشق وريفها. لذلك تتشكل الحدود الشرقية من مجالات اتصال متمايزة، تحد