الدكتور جوزاف هليط بعد الإفراج عنه عام 2000 الدكتور جوزاف هلّيط، أو السجين رقم 16. 3000 يوم في المعتقلات السورية. 1600 يوم في السجن الانفرادي. اعتُقل في دمشق في 11 تشرين الثاني 1992، وأُطلق في 15 كانون الأول 2000. ما هي التهمة التي وُجّهت إليه، ومن أين استمدّ قوة البقاء؟ وكيف تمّت محاكمته، وأمام أي محكمة؟ بعد 26 عامًا على استعادة حريته، ماذا بقي فيه من فرع المخابرات وفرع فلسطين، ومن المزّة وصيدنايا وسائر المعتقلات؟ كيف عاش سنوات الاعتقال والتعذيب؟ متى علم أهله بأنّه معتقل، ومتى زاروه في السجن؟ كيف خرج إلى الحرية ليولد من جديد؟ وماذا طلبوا منه في مديرية المخابرات في لبنان؟ ماذا فعل بعد خروجه، وهل ترك رفاقًا له هناك؟ وهل عاد إلى حيث كان بعد سقوط النظام؟ هذه التجربة بمراراتها يرويها الدكتور هلّيط لـ "نداء السنين" في "نداء الوطن". والبداية من النهاية. أي شعور راودك عندما رأيت معتقلات الأسد والنظام السوري السابق تنهار وتنفتح بعد سقوط النظام؟ نحكي عن 8 كانون الأول 2024. الحقيقة لم أنم تلك الليلة. كنت أنتظر الصور التي تطلع على الإعلام لأنّها ردّتني إلى زمن الاعتقال. صور صيدنايا التي ظهرت هي من المطرح الذي كنّا فيه. أعادتني إلى الذكريات القديمة السيّئة. علمًا أنّه، على أيامنا، كان سجن صيدنايا من أحسن السجون، على الرغم من مساوئه الكثيرة. نحن مررنا بسجون أسوأ بكثير. فكّرت أن تذهب لتشاهد السجون هناك من جديد؟ حاولت أن تعود إلى حيث كنت؟ بصراحة حاولنا. طلع رفاق لنا لم يسمحوا لهم بالدخول. كانت لديّ دعوة عن طريق وزارة الخارجية السورية للحديث عن العلاقات اللبنانية - السورية وآثارها الاجتماعية والسياسية، وكنّا سنرى ما استجدّ من أمور وسنزور السجون. ولكن تأجّلت الزيارة بسبب الأحداث في سوريا. نحن كنّا نتابع السجون في بعض المسلسلات. "الخروج من البئر" صُوِّر في صيدنايا ويحكي الواقع الذي كنّا فيه. الانتفاضة التي حصلت في صيدنايا لم تكن على أيامنا، ولكنّها أظهرت كلّ تفاصيل السجن، ومسلسل "المحافظة 15" الذي يحكي عن السجن مباشرة وعن معاناة السجناء. كان عندي محاضرة في جامعة دمشق حول عملية السلام والقضية الفلسطينية. بعد المحاضرة كانوا ينتظرونني. قالوا لي: عايزينك باستشارة طبية. أخدونا معزّزين مكرّمين بمرسيدس. ماذا كنت تفعل في سوريا؟ كنت تتعلّم هناك؟ أنا طبيب. عندي علاقات وكنت أتابع قضايا في سوريا. كانت المحاضرة في كلية الحقوق في جامعة دمشق. الاستشارة الطبية استمرت 8 سنين وشهرًا وخمسة أيام، أي 2955 يومًا. ماذا حصل معك أوّل لحظات الاعتقال؟ بعدهم موجودين. عم فكّر إرجع روح جيبهم، أو أرجع شوف الشباب الذين كانوا موجودين وكنت على علاقة معهم. شو اللي صار وكيف؟ على غفلة صارت الأمور. استشارة. فتنا على المعتقل. على فرع المنطقة. مخابرات عسكرية كلّهم. بقيت فيه 63 يومًا. وكانت مرحلة التحقيق والتعذيب هناك. بعدها نُقلت إلى فرع فلسطين، بقيت فيه 1537 يومًا. بعدها نُقلت إلى فرع التحقيق المركزي، ثم إلى المزّة، ثم إلى صيدنايا. أبدًا. سلِّم أغراضك. سلّمت أغراضي. بعدها طلبوني على التحقيق. من البداية: شو علاقتك بـ "القوات اللبنانية"؟ مين بتشوف؟ مين بتعرف؟ شو بتعمل؟ عندهم تقارير معلومات يريدون إسقاطها عليك مهما كلّف الأمر. مثلا: بتعرف نجم الهاشم؟ تقول لهم ما بعرف نجم الهاشم. لأ، بتعرفو. والله يا خيّي ما بعرفو. سألوني عن شخص صديق لم أكن أعرفه قبل السجن. أصرّوا عليّ. أنت بتعرفو. يا خيّي ما بعرفو. لأ، بتعرفو. كيف شكلو؟ بعد التعذيب قلت لهم: بعرفو، شاب طويل أشقر. قالوا: لأ، مش هيدا هو. قلت له: هلكت ربي. قلت لكم ما بعرفو، قتلتوني. قلتلك بعرفو، قتلتني. شو بدّك؟ نقلوني يومها إلى المستشفى على أساس بدّي أعمل عملية، ولم يقبلوا أن أجري العملية. تمزيق في العضل في اليدين بسبب الكرسي الألماني، الأمر الذي سبّب لي شللا في اليدين، حتى لم أعد أستطيع أن آكل. صاروا يساعدونني لآكل. ينام المعتقل على وجهه، ويضعون الكرسي على ظهره، ويشدّون يديه ورأسه وهو مكربج، ويشدّون بالكرسي فتتمزّق العضلات، وزيادة على ذلك يعملون لك فلقة وكسر الظهر. نُقلت فورًا إلى السجن الانفرادي؟ على التحقيق أوّلا، ثم إلى السجن الانفرادي حيث بقيت 1600 يوم. 63 يومًا في فرع المنطقة، والباقي في فرع فلسطين. كم مساحة الحبس الانفرادي، أو الـcellule كما تسمّونه؟ تحت الأرض. 1600 يوم وما شفت السما. لا بعرف ليل ولا نهار. كيف بدأت تعدّ الأيام؟ كيف بدأ الروتين اليومي في هذه الغرفة المنفردة؟ أحكي بيني وبين حالي كيف قطعت الأيام. كنت آخذها بالصلاة. العالم قد يقولون: شو بالصلاة؟ شو يعني؟ في الحقيقة ما كان عندي حلّ ثاني، وما كان في حلول ثانية. الصلاة. كلّما تسكّر الباب عليّي كان عندي نور ما بعرف من وين. ما في ضو جوّا. كان عندي نو