هي حرب ستطول. فجّرتها أحداث 7 أكتوبر 2023، لكن سريعاً تبيّنت أهدافها الأبعد، والتي كانت مرسومة من قبل. ففي أيلول 2023 أعلن في نيودلهي اتفاق مشروع طريق الهند لربط آسيا بأوروبا مروراً بالشرق الأوسط. أعلن الاتفاق بين الولايات المتحدة الأميركية، الهند، دول من الاتحاد الأوروبي، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة. فكرة المشروع كانت متكاملة في مجالات النفط والطاقة، الاتصالات والتطور التكنولوجي والكابلات البحرية، المرافئ والموانئ وسكك الحديد. أي ربط كل هذه الدول بعضها ببعض، في إطار مواجهة مبادرة الصين "الحزام والطريق"، وهذا بمعناه السياسي يربط جنوب آسيا بالشرق الأوسط بأوروبا، ويسعى إلى تطويق الصين وحلفائها، كما يفتح مسار التكامل بين دول المنطقة وإسرائيل على طريق التطبيع والاتفاقات الإبراهيمية. انفجرت الحرب في 7 أكتوبر، فأعلنت إسرائيل عن مشروعها سريعاً، وكشفت أوراقها حول السعي لتغيير الشرق الأوسط، والذي بدأته بتغيير جغرافي وديمغرافي في الدول التي خاضت الحرب فيها، خصوصاً غزة ولبنان، واستكملت عملها ولا تزال في الدولتين وكذلك في سوريا. لا تزال إسرائيل على المشروع نفسه، مدعومة من الولايات المتحدة الأميركية، وهذه الحرب قادت إلى حرب إيران التي لا تزال تسعى إسرائيل إلى تجديدها، ويبدو أن التحضيرات مستمرة بين الإسرائيليين والأميركيين لذلك. فإيران دولة كبرى وصاحبة مشروع في المنطقة وتمتعت بنفوذ واسع تسعى إسرائيل إلى إنهائه في الشرق الأوسط ووراثته خصوصاً في لبنان، والحضور في سوريا وإلغاء القضية الفلسطينية وشطبها من المعادلة مقابل فرض التطبيق واتفاقات السلام على الدول الأخرى. أما الولايات المتحدة فتريد تطويع إيران والدخول إليها استثمارياً واقتصادياً للإمساك بالنفط الإيراني على طريق تطويق الصين من خلال جعل طهران حليفة للغرب. وإذا فشل المسار، فإن واشنطن ستجدد الحرب. الجانب الأبعد من هذه الحرب، هو صورة التوازنات التي سيتم تقديمها ورسمها على مستوى العالم. عالم تريد الولايات المتحدة الأميركية أن تكون قطبه الأوحد، بلا أي منافسة. ولذلك تسعى واشنطن إلى الضغط على الجميع ولو لجأت إلى استخدام ضغط خصومها على حلفائها، كما هو الحال بالنسبة إلى تعاطي دونالد ترامب مع ملف الحرب الروسية الأوكرانية، إذ يهدف ترامب إلى تطويع أوروبا وابتزازها وإشعارها بضعفها الدائم وحاجتها إلى الولايات المتحدة. وهو ما يفعله في المنطقة مع دول كثيرة لا سيما دول الخليج التي تواجه حالياً حرباً أساسية في اليمن. إذ مع بداية المواجهات أعلن عدم استعداده للانخراط في الحرب إلى جانب السعودية وكشف عن تواصل بين واشنطن والحوثيين. هو يترك هذه الورقة لاستنزافها ولدفع الأمور إلى حيث يريد ويشتهي سياسياً، على الرغم من وجود تنسيق أمني وعسكري واستخباري ومن كلام لوزير الخارجية ماركو روبيو عن عدم التخلي عن السعودية. لكن ترامب يريد لأي حرب وأي دعم أو تدخل ثمناً سياسياً، الثمن هو استدراج دول الخليج كما أوروبا إلى جانبه في حربه على إيران. ثمة من يعتبر أن الحرب الدائرة في اليمن هي بمعرض التمهيد لضرب إيران، ولتشكيل تحالف جديد بهذا الهدف، تماماً كما كانت الحرب على غزة ولبنان من قبل تمهيداً لضرب إيران. وتتضارب التقديرات بشأن حرب اليمن، بين من يعتبر أنها ستكون طويلة واستنزافية لكل الدول، وبين من يعتبر أن هناك قدرة على حسمها سريعاً، بفعل عوامل عديدة منها تغيير آليات القتال عن عاصفة الحزم، وبفعل تغير موازين القوى على مستوى المنطقة، وبفعل تحالف مكة ووجود موقف أميركي داعم للسعودية ضد الحوثيين انطلاقاً من حالة العداء الإيرانية الأميركية واحتمالات تجدد الحرب. إنها حرب مستمرة، ليست على فلسطين فقط، بل على المنطقة ككل، أهدافها تغيير موازين القوى على مستوى المنطقة والعالم. إسرائيل تريد استغلال الحرب الدائرة في اليمن للتقدم أكثر ولتوسيع نفوذها، هي لا تريد دولاً قوية وكبيرة في محيطها، بل ستسعى دوماً إلى ضربها وإضعافها. بنيامين نتنياهو كان قد أعلن بوضوح قبل فترة أنه بعد ضرب إيران ومحورها سيركز عمله على ضرب الراديكالية السنية التي بدأت تتكون ضمن محور وهو كان يقصد السعودية، باكستان وتركيا. اليوم سيسعى نتنياهو إلى استغلال ما يجري في اليمن لعرض خدماته ولإبعاد السعودية عن تركيا وباكستان واستدراجها لاتفاق إبراهيمي، وهذا ما سيسعى إليه ترامب أيضاً الذي يريد إعادة ضبط وترتيب العلاقات التركية الإسرائيلية. تشكل الحرب الدائرة بكل تطوراتها اختباراً أساسياً لدول الإقليم، وخصوصاً لدول حلف مكة، ولا سيما تركيا والسعودية، فالدولتان تقاطعتا في سوريا، وواجهتا تحديات كبيرة حتى الآن نجحتا في تفادي مخاطرها مع تأمين ظروف حماية وحدة سوريا من أي مشروع تفتيت أو تفكيك إسرائيلي، انطلاقاً من تقاطع المصلحة الا