"وتهرب منّي تضيع وما أرجع لاقيك.. وأنت قاعد حدّي وعم فتّش عليك".. بهذه الكلمات للسيدة "فيروز"، دخلتُ قاعة الامتحان، أدندنها بيني وبين نفسي، وأنا أستعدّ لمراقبة طلاّب الإجازة كطالبة ماجستير في "علم النفس الإعلامي". فجأة، جاءني صوت من إدارة كليّة التربية بجامعة دمشق أثناء تجوالهم: "لقيناها!".. "ابنتي، نريد منكِ النزول إلى قاعة الشّرف.. جزاكِ الله خيراً!".. انقطع سكون المراقبة، ومضيتُ بخطى متثاقلة، وقلب يخفق خوفاً، متسائلة: هل سمعوني أغنّي لكي ينقلوني؟ سألتُ بارتباك: "أنا طالبة ملتزمة بساعاتي، فما هي قاعة الشّرف تلك؟"، بدّد المشرف مخاوفي، قائلاً: "إنّها قاعة طلاّب وطالبات من ذوي الاحتياجات الخاصّة، وهناك طالبة كفيفة تحتاج من يكتب لها". وهناك، التقيتُ بـ "إسراء البريدي" (28 عاماً)، طالبة التربية الخاصّة، ذات العينين الخضراوين ووجه يفيض بالسّكينة، وابتسامة تزرع الطمأنينة، ثم بدأتُ أقرأ لها الأسئلة، وهي تملي عليّ إجاباتها بدقّة، وفي فترات التفكير، كنتُ أطمئنها بشأن الوقت، وكأنّني صاحبة القرار، وسأهب لها اليوم بأكمله تقديراً لإصرارها ومثابرتها. وسألتني "إسراء" عن مهنتي، فأجبتها: "إعلاميّة"، عندها كشفَت لي عن عالمها خلف حدود البصر؛ إذ تمتلك هذه الفتاة صوتاً دافئاً، وموهبة استثنائيّة في مجال التعليق الصوتي والدوبلاج، بالإضافة إلى فنّ الغناء لأفلام الكرتون، معتمدة كليّاً على حسّها السّمعي العميق. مفارقة ملهمة وضعتني في دهشة عارمة؛ الطالبة التي تحتاج إلى من يمسك القلم بدلاً عنها في الامتحان؛ هي ذاتها التي تعبّر عن أعمق المشاعر بصوتها. وفي الحقيقة، لم تكن القاعة مجرّد مكان للامتحان، بل كانت مسرحاً لأتعرّف على حكاية قوّة وإرادة بدأت مع إصابتها برصاصة قنّاص عام 2013، وهنا حمدّتُ الله أنّهم "لقوني!". تختزل قصص الفقد أحياناً في لحظة خاطفة تتغيّر بعدها مجاري الحياة؛ وهذا ما حدث مع "إسراء"، التي كانت في الخامسة عشرة من عمرها عام 2013 عندما استهدفت رصاصة قنّاص من قبل النظام السّابق السّيارة التي كانت تستقلّها برفقة عائلتها في طريق عودتها من زيارة عائليّة بريف درعا السوريّة، لتنقلب حياتها رأساً على عقب. تسترجع "إسراء" تلك اللحظة الفاصلة، قائلة لـ "المدن": "تلقّيتُ إصابات شديدة في رأسي وعينيّ وقدمي، ثم دخلتُ في غيبوبة دامت لأسبوع أو أكثر بقليل داخل المستشفى، حتى أنّ الأطباء طلبوا من أهلي إعداد مراسم العزاء بعد أن فقدوا الأمل في نجاتي، لكنّني نجوتُ بمعجزة لنستيقظ جميعاً على واقع جديد". وتكمل: "لقد فقدّتُ بصري تماماً.. فقدّتُ القدرة على الرؤية بالعين الأولى مباشرة بعد الحادث، ثم تلاشى بقايا الضوء من العين الثانية لاحقاً". وتضيف بامتنان: "عندما أُصِبتُ، لم تكن هناك سيّارات إسعاف بسبب خطورة الوضع آنذاك في درعا، والحمدلله تأمّنت سيّارة تقلني إلى المستشفى، وبعدها غادرتُ إلى لبنان.. هناك أحداث لا يمكننا تفسيرها، إلا أنّها من لطف الله، هو من يسّر لنا كل شيء". بخطوات جديدة.. وكأنّها وُلدت كفيفة! استذكرت "إسراء" مرارة تلك المرحلة، قائلة لـ "المدن": "كانت الصّدمة ثقيلة في البداية؛ كيف لفتاة في الصف العاشر تفيض بالحيويّة أن تتقبّل فكرة أنّها لن ترى العالم مجدّداً، أو تعود إلى حياتها الطبيعيّة؟ لكن سرعان ما توقّف الذهول ليحل مكانه تسليمٌ مطلق، وكأنّها ولدت كفيفة منذ البداية!"، بحسب تعبيرها. خاضت "إسراء" رحلة علاجيّة شاقّة بين لبنان والكويت امتدّت لأشهر طويلة من العمليّات الجراحيّة والعلاج الفيزيائي، ورغم أن أمل عودة البصر كان معدوماً، إلا أنّ رحلة شفائها الجسدي كانت البداية لمرحلة جديدة اتجهت فيها لإكمال دراستها. وأوضحت "إسراء" أنّها "توقّفت عن الدراسة عام 2013، لكنّها استكملت تعليمها في الكويت عام 2014، حيث أعادت الصّف التاسع، وأكملت الثانوي حتى حصلت على البكالوريا، وبعد توقّف اضطراري مدّته خمس سنوات لعدم توفّر فرص جامعيّة للسوريين هناك، عادت "إسراء" إلى سوريا، والتحقت بكليّة التربية بجامعة دمشق، وهو الحلم الذي مازالت تناضل من أجله"، بحسب وصفها. عينٌ بديلة "تغنّي".. ولغة صوتيّة مقاومة تروي الفتاة الحالمة لـ "المدن" عن طفولتها التي بدأت باكتشاف أهلها جمال صوتها، حيث تطوّر الشّغف لديها من خلال استماعها لأغاني قناة سبيستون (Spacetoon)، ومحاكاة شخصيّاتها حتى أصبحت الدبلجة وغناء الكرتون عالمها الخاص، قائلة: "رسالتي هي بث الفرح والأمل والسّلام في قلوب الأطفال وتذكير العالم بنقاء الطفولة". لم تكن تجربة تقليد الأصوات بالنسبة لـ "إسراء" مجرّد هواية، بل كانت شرارة الشّغف التي أنارت طريقها، حيث تحدّت الظروف ونصف مليون متنافس في مسابقة لأغاني قناة سبيستون (Spacetoon) لتفوز بالمركز الأوّل، ثم تحوّلت تلك اللحظة إلى نقطة انطلاق نحو حلم ما زال صعب المنال. و