في السادس من تشرين الأول/أكتوبر 2023، كان الشرق الأوسط يبدو، رغم حروبه وأزماته، متجهاً نحو مرحلة من خفض التصعيد. استعادت السعودية وإيران علاقاتهما الدبلوماسية، وهدأت حرب اليمن من دون أن تنتهي، وكانت الرياض وواشنطن تناقشان اتفاقاً واسعاً يفتح الطريق أمام تطبيع سعودي مع إسرائيل. وفي لبنان، بقي "حزب الله" وإسرائيل داخل قواعد اشتباك استقرت منذ حرب 2006، فيما ظلت المواجهة بين إيران وإسرائيل في معظمها حرباً في الظل، تدور عبر سوريا والوكلاء والاغتيالات والعمليات السرية. أما القضية الفلسطينية، فكانت تتراجع خلف مشاريع التطبيع والترتيبات الإقليمية الجديدة. كانت "حماس" تحكم غزة المحاصرة، والسلطة الفلسطينية تزداد ضعفاً في الضفة، فيما بدا أن المنطقة تستطيع إعادة ترتيب نفسها من دون حل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. ثم جاء طوفان الأقصى. قتل الهجوم الذي قادته "حماس" نحو ألف و200 شخص في إسرائيل واقتيد 251 آخرون إلى غزة. وبعد ثلاث سنوات، تقول السلطات الصحية في القطاع إن الحرب الإسرائيلية قتلت أكثر من 74 ألف فلسطيني، فيما تغيرت خريطة المنطقة أبعد بكثير من حدود غزة. ووصلت الحرب إلى لبنان وسوريا واليمن وإيران، ثم دخلتها الولايات المتحدة مباشرة. وسقط نظام بشار الأسد، وتراجع النفوذ الإيراني في سوريا، وتعرض "حزب الله" لضربات كبيرة، وظهرت مناطق سيطرة إسرائيلية جديدة في غزة ولبنان وسوريا. وأصبح باب المندب وهرمز جزءاً من الحرب، بينما عاد السؤال الفلسطيني إلى قلب العلاقات العربية والغربية مع إسرائيل. إسرائيل.. الحرب التي لم تغلق 7 أكتوبر كان أول ما انهار صباح 7 تشرين الأول هو الاعتقاد الإسرائيلي بأن الاستخبارات والتكنولوجيا والجدار والردع تستطيع إبقاء غزة تحت السيطرة. لكن السنوات التالية لم تعد إسرائيل إلى ما قبل الهجوم، بل غيرت الطريقة التي تتعامل بها مع حدودها وخصومها. في غزة، انتقلت من العمليات التي تنتهي بانسحاب القوات إلى الاحتفاظ بمساحات واسعة من الأرض. وبعد عام على وقف إطلاق النار الذي رعته واشنطن في أكتوبر 2025، لا تزال إسرائيل تسيطر فعلياً على نحو ثلثي القطاع، فيما لم تُنزع أسلحة "حماس" ولم يبدأ الانسحاب الإسرائيلي الكامل أو إعادة الإعمار. ولا يزال أكثر من مليون و200 ألف فلسطيني يواجهون انعداماً حاداً للأمن الغذائي، بينما تقدر احتياجات التعافي وإعادة البناء بنحو 71 ونصف مليار دولار. وهكذا، انتهت الحرب الواسعة من دون حل السؤال الذي لازم غزة منذ البداية: من يحكم القطاع، ومن يضمن أمنه، وما علاقته بالدولة الفلسطينية المفترضة؟ وفي الداخل الإسرائيلي، بقي 7 أكتوبر ملفاً مفتوحاً أيضاً. تأتي الذكرى الثالثة قبل أول انتخابات عامة منذ الهجوم، فيما تدخل عائلات قتلى ورهائن وشخصيات ارتبطت مباشرة بأحداث ذلك اليوم السباق الانتخابي، وسط استمرار الجدل حول المسؤولية عن الإخفاق والتحقيق فيه. لكن ثمة مفارقة أخرى داخل المجتمع الإسرائيلي. ففي الوقت الذي أصبحت فيه صور الدمار والضحايا في غزة محوراً للاحتجاج والضغط على إسرائيل في الخارج، وجدت وكالة "أسوشيتد برس" أن تجربة 7 أكتوبر ما زالت تطغى على رؤية قطاعات واسعة من الإسرائيليين للحرب، وأن معاناة الفلسطينيين تحضر بدرجة أقل بكثير في النقاش الداخلي. فلسطين تعود إلى العالم فيما تتغير أرضها وإذا كانت غزة مركز الحرب، فإن الضفة الغربية شهدت تحولاً آخر. فقد تصاعد عنف المستوطنين وتسارعت مشاريع الاستيطان والبؤر الجديدة، واتسع استخدام الجيش الإسرائيلي للغارات الجوية، التي كانت نادرة في الضفة قبل الحرب. وفي آب/أغسطس الماضي، قتلت غارة إسرائيلية ثلاثة فلسطينيين قالت إسرائيل إن أحدهم عنصر في "حماس". وفي الوقت نفسه، بقي النظام السياسي الفلسطيني أمام أزمة تمثيل وحكم. فقد تعهد الرئيس محمود عباس بإجراء انتخابات تشريعية في 28 تشرين الثاني/نوفمبر، ستكون الأولى منذ عشرين عاماً إذا جرت، وسط شكوك فلسطينية في إمكان تنظيمها فعلياً. وفي غزة، عُينت لجنة تكنوقراط فلسطينية لإدارة القطاع، لكنها لم تدخله حتى الآن، بينما لا تزال مسألة سلاح "حماس" ودورها السياسي من أكبر العقبات أمام ترتيبات ما بعد الحرب. وهنا تكمن إحدى أكبر مفارقات السنوات الثلاث: عادت الدولة الفلسطينية إلى قلب الدبلوماسية الدولية، بينما أصبحت الأرض المفترض أن تقوم عليها أكثر انقساماً، وبقي النظام السياسي الفلسطيني نفسه من دون إعادة بناء حقيقية. سوريا ولبنان.. تغير الخريطة نفسها لكن سوريا تقدم ربما المثال الأوضح على أن ما تغير لم يكن ميزان القوى فقط، بل الجغرافيا أيضاً. فقد كان نظام الأسد ركناً أساسياً في شبكة النفوذ الإيراني والطريق الذي يربط طهران بـ"حزب الله". وبعد سقوطه في كانون الأول/ديسمبر 2024، خسرت إيران إحدى أهم حلقات هذا الطريق. في المقابل، انتقلت إسرائيل من شن ال