في السادس والعشرين من تموز/ يوليو 1945، أصدر الرئيس الأميركي هاري ترومان إعلان بوتسدام الذي دعا اليابان إلى الاستسلام غير المشروط، وختمه بالتالي: "البديل أمام اليابان هو الدمار الفوري والشامل". بعد يومين، قال رئيس الوزراء الياباني كانتارو سوزوكي للصحافيين إن حكومته ستقابل الإعلان بـ"موكوساتسو"، وهي كلمة تحتمل معنى التجاهل وعدم التعليق. في السادس من آب/ أغسطس سقطت القنبلة على هيروشيما، وأصدر ترومان بياناً قال فيه، إن اليابانيين إن لم يقبلوا الشروط الآن، فليتوقّعوا "مطراً من الخراب من الجو لم يُرَ مثله على هذه الأرض". بعد ثلاثة أيام سقطت القنبلة الثانية على ناغازاكي. ستصبح المقارنة مثيرة راهنًا. في السابع من نيسان/أبريل 2026، كتب الرئيس دونالد ترامب على منصّته أن "حضارةً بأكملها ستموت الليلة، ولن تعود أبداً" إن لم تقبل إيران اتفاقاً قبل مهلة حدّدها بنفسه. وقبل نحو تسعين دقيقة من انقضاء المهلة، أعلن هدنة لأسبوعين، مشروطة بـ"الفتح الكامل والفوري والآمن لمضيق هرمز". كرر إنذاره بأشكال أخرى تحتمل تهديداً بإبادة إيران، وأن الأمر سينتهي قريباً جداً. خطاب تهديدي إذاً يقرأه البعض بعين 1945. فكما استخفّت طوكيو بإنذار بوتسدام قبل أن تفاجئها القنبلة، يرى هؤلاء أن من يسخر من وعود ترامب بنصرٍ قريب، ومن قوله إن "أموراً كبيرة ستحدث" في المستقبل القريب، قد يُفاجأ بسلاح لم يُستعمل بعد، تستعمله واشنطن وتل أبيب معاً. ويستعيدون عبارة وزير الأمن الإسرائيلي آنذاك يوآف غالانت عام 2024، حين توعّد بأن الإيرانيين "لن يفهموا ماذا حدث وكيف حدث". بل كتب الفيزيائي الباكستاني بيرفيز هودبهوي في "نشرة علماء الذرة" أن استخدام النووي ضدّ إيران انتقل من خانة "العبث" إلى خانة "الاحتمال الملموس". لكن لعلّ قراءة مثيلة تقوم على نصف المقارنة. التاريخ الياباني لا يبدأ في هيروشيما، والقنبلة ولو كانت تكتيكية لا تجيب عن السؤال الذي يطارد كل حرب: ماذا بعد؟ سيقول التاريخ الياباني لو قرئ من أوله شيئاً آخر. في السادس والعشرين من تموز/ يوليو 1941، جمّدت إدارة فرانكلين روزفلت الأصول اليابانية في الولايات المتحدة، وفي الأول من آب/ أغسطس فرضت حظراً نفطياً على بلدٍ كان يستورد منها معظم نفطه. لم تذهب طوكيو إلى الطاولة. حسبت أن مخزونها لن يصمد طويلاً، فقرّرت أن تأخذ بالقوة نفط جزر الهند الشرقية الهولندية، وهي التسمية الاستعمارية للأراضي التي كانت تسيطر عليها هولندا في أرخبيل إندونيسيا الحالي، وكانت من أهم مصادر النفط والمطاط والمواد الخام في جنوب شرق آسيا. كما قررت أن تضرب قبل ذلك الأسطول الذي يمكن أن يعترض طريقها. وفي السابع من كانون الأول/ ديسمبر كانت بيرل هاربر. أي أن الحصار لم يُخضع اليابان بل دفعها إلى الحرب، وأن القنبلة لم تأتِ إلا بعد أربع سنوات من حرب شاملة. واللافت أن ترامب نفسه استحضر بيرل هاربر في التاسع عشر من آذار/ مارس، حين سُئل في المكتب البيضاوي بحضور رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي لماذا لم يُبلغ حلفاءه قبل ضرب إيران، فأجاب "من يعرف المفاجأة أكثر من اليابان؟". عملياً، تبدو إيران اليوم أقرب إلى يابان 1941 منها إلى يابان 1945. بلدٌ تحت ما وصفه ترامب بـ"أعظم حصار في التاريخ العسكري" يرد بصواريخ باليستية أُطلقت باتجاه سفن حربية أميركية، ويُغلق مضيقاً، فيما يفتح حلفاؤه جبهة في باب المندب. بمنطق التاريخ نفسه، نحن في أول الحرب اليابانية لا في آخرها. سقطت القنبلة النووية الأميركية الأولى في عالم مختلف. كانت الولايات المتحدة وحدها تملكها، ولم يكن لأحد القدرة على الردّ بالمثل. وكانت اليابان مهزومة عملياً، أسطولها في قاع المحيط، ومدنها أُحرقت بالقصف التقليدي، والحصار عليها محكم. أما إيران فقد استأنفت إنتاج الصواريخ الباليستية رغم سبعة أشهر من الضربات. الأهمّ أن 1945 سبقت ما صار يُعرف بـ"المحرّم النووي". الاقتصادي توماس شيلينغ افتتح محاضرة نوبل عام 2005 بجملة صارت مرجعاً حين قال إن "أكثر أحداث نصف القرن الماضي إثارةً حدثٌ لم يقع". كان يتحدّث عن ستين عاماً من دون تفجير نووي في حرب، صارت اليوم واحداً وثمانين. على أن رواية 1945 نفسها ليست بالبساطة التي تُروى بها. بعض المؤرخين يرون أن دخول الاتحاد السوفياتي الحرب في الثامن من آب/ أغسطس بين القنبلتين كان بالغ الوزن في قرار طوكيو الاستسلام. أي أن القنبلة وحدها قد لا تكون أنهت حتى تلك الحرب. ثمة ما هو لافت أيضاً. أظهرت تجربة استطلاعية منشورة عام 2017 أن أغلبية من الأميركيين المشاركين كانت مستعدة في سيناريو افتراضي لحرب مع إيران لتفضيل ضربة نووية تقتل أعداداً كبيرة من المدنيين على خيار بري يعرّض 20 ألف جندي أميركي للموت. ولأن الرئيس يملك السلطة الحصرية للأمر باستخدام سلاح نووي تكتيكي من دون إبلاغ مسبق للكونغرس أو للجمهور حتى