تشهد منطقة الشرق الأوسط حروباً متعددة ومركّبة، بعضها يتسم بالعنف، وبعضها بالتوسع والاحتلال، وبعضها الآخر سباق على معركة الوعي وكسب السرديات. وفي موازاة ذلك، نجد خلف المعارك السياسية والعسكرية الجارية، ظاهرة أعمق وأشد تأثيراً آخذة في التبلور: تنافس الجغرافيا المتخيّلة. خلال القرن الماضي، كان جانب كبير من صراعات الشرق الأوسط يدور داخل منظومة من الدول والحدود التي ترسخت تدريجياً بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية. أما اليوم، فإن التنافس يدور على تعريف الجغرافيا نفسها انطلاقاً من سرد تاريخي خاص، حيث تحدد كل قوة إقليمية خريطة ترى فيها صورة لمستقبلها، أو على الأقل للمجال الذي تعتبره جزءاً من أمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية. الخريطة التركية: من الميثاق الملّي إلى الجغرافيا الوجدانية خلال العقدين الماضيين، تطورت في تركيا رؤية تتجاوز حدود الجمهورية التي تأسست عام 1923. لا تتحدث هذه الرؤية رسمياً عن تعديل الحدود أو تغييرها، لكنها تعيد إحياء مفاهيم مثل "الميثاق الملّي" و"الجغرافيا الوجدانية"، أي المجال التاريخي والثقافي الذي تعتبره تركيا جزءاً من ذاكرتها السياسية وحضورها الحضاري. في هذا التصور، لا ينظر إلى الموصل أو كركوك أو حلب أو البلقان أو القوقاز باعتبارها مناطق خارجية بالكامل، بل باعتبارها فضاءات متصلة تاريخياً بالمجال التركي. ومع صعود الدور الإقليمي التركي بعد الربيع العربي، وخصوصاً بعد عام 2016، تحوّل هذا المفهوم تدريجياً من خطاب ثقافي إلى إطار يُستخدم لفهم المصالح التركية الأمنية والاستراتيجية. تعرض خريطة "الجغرافيا الوجدانية" التركية، والتي يمكن تلمّسها من الخطابات الشعبوية المتعددة لبعض المسؤولين الأتراك، أين يبدأ وأين ينتهي المجال الحيوي لتركيا. وعلى هذا الأساس، يمكن فهمها بإنها خريطة لا تسعى إلى ضم الأراضي بقدر ما تسعى إلى تحديد مساحة المجال الحيوي التركي، حيث يمتد النفوذ التركي وتسعى تركيا إلى منع تشكل ترتيبات إقليمية تُقصي أنقرة عن المناطق التي تعتبرها جزءاً من فضائها التاريخي. الخريطة الإسرائيلية: التاريخ بوصفه مشروع احتلال في المقابل، تتبلور في إسرائيل رؤية تتجاوز مفهوم الدولة بوصفها كياناً سياسياً ضمن حدود معترف بها، إلى اعتبارها مشروعاً تاريخياً مفتوحاً لم يبلغ نهايته بعد. ومن هنا يبرز الحديث المتزايد عن تأسيس "إسرائيل الكبرى" كتعبير عن التحولات الفكرية والسياسية التي يشهدها المجتمع الإسرائيلي. في المقاربة الإسرائيلية، يُنظر إلى خريطة "إسرائيل الكبرى" باعتبارها تصوراً لمجال جيوسياسي يُفترض أن تتمتع فيه إسرائيل بدرجات متفاوتة من السيطرة المباشرة أو الهيمنة أو إعادة تشكيل التوازنات بما يتوافق مع رؤيتها الأمنية والتاريخية. واللافت أن هذا المنطق لم يعد يقتصر على الأوساط العقائدية، بل أخذ يتسرب تدريجياً إلى صلب النقاش الاستراتيجي الإسرائيلي. ومن هنا يبرز البعد الأكثر أهمية في الخريطة الإسرائيلية مقارنة بغيرها من الخرائط المتداولة في المنطقة. فبينما تسعى بعض القوى الإقليمية إلى توسيع مجالات نفوذها خارج حدودها، يبرز داخل إسرائيل تيار نافذ يرى أن الاحتلال والسيطرة المباشرة على الأراضي في دول الجوار ضرورية لتحقيق الغاية التاريخية ذاتها. الخريطة الإيرانية: جغرافيا المحور أما إيران فقد بنت خلال العقود الماضية خريطتها الخاصة، وهي خريطة لا تقوم على الحدود القومية أو الإرث الإمبراطوري الفارسي، بل على مفهوم "المحور". قامت الرؤية الإيرانية على إنشاء فضاء استراتيجي يمتد من إيران الى البحر المتوسط، ومن إيران الى بحر العرب وخليج عدن. شكّلت تلك الخريطة أساساً لما تعتبره إيران دفاعاً متقدماً، حيث تستند تلك الفكرة الى نظرية سادت منذ ما قبل الثورة الإسلامية في إيران، ومفادها: حماية الأمن الإيراني تبدأ بعيداً الحدود الإيرانية. وتستند خريطة المحور إلى شبكات نفوذ سياسية وأمنية وعسكرية أكثر مما تستند إلى السيطرة المباشرة على الأراضي. وبعد التطورات التي حصلت منذ 7 أكتوبر 2023، وخلال سنوات ثلاث، فقدت إيران الكثير من نفوذها في هذه الجغرافيا، إلا أنها ما زالت تتمتع بنفوذ وازن، يصعب على أي دولة منافسة أن تحتكر الفضاء الذي كان لإيران اليد الطولى فيه. الخريطة العربية: الدفاع عن الدولة الوطنية واقعياً، لا تبدو في العالم العربي اليوم خريطة استراتيجية جامعة ومؤثرة تنافس الخرائط الإقليمية الأخرى. وبينما تتقدم تركيا وإسرائيل وإيران بتصورات تتجاوز الحدود القائمة نحو مجالات حيوية أو تاريخية أو أيديولوجية أوسع، ينشغل معظم العرب بالحفاظ على الدول القائمة ومنع تفككها. يخشى العرب أن تضيع الدول القومية وتتحول الى دويلات طائفية متناحرة، لذا يتمسك معظم العالم العربي بخريطة الدول الوطنية التي نشأت بعد الحرب العالمية الأولى، رغم كل الأزمات التي تعانيه