مقارنة بغيره من الأحزاب البريطانية، تمنح اللوائح الداخلية لحزب الخضر الأعضاء وممثليهم أدواراً أكبر في تقرير سياسات الحزب عبر التصويت. وبفضل تلك الآليات الأقرب إلى الديمقراطية المباشرة، مرر المؤتمر العام للحزب قبل يومين قراراً باعتبار الصهيونية صورة من صور العنصرية. لا يرفض مضمون القرار حق إسرائيل في الوجود فقط، بل يعتبر الأساس الأيديولوجي الذي أسست عليه الدولة اليهودية غير أخلاقي من البداية. وتضمن القرار ضمناً إعلاناً عن موت "حل الدولتين"، التعويذة المخادعة التي تختبئ وراءها بقية الأحزاب الأوروبية في تظاهرها بأن لها موقفاً من القضية الفلسطينية. يعتمد القرار حل الدولة الديمقراطية الواحدة للجميع، بوصفه سياسة رسمية للحزب. وهو في هذا لا يتخذ موقفاً معادياً للسامية كما يدعي منتقدو القرار، ولا يعتمد حلاً متطرفاً يشجع على العنف كما يدعي البعض الآخر، بل ببساطة يعترف فقط بالوضع القائم، وهو الوضع الذي عمل عليه الساسة الإسرائيليون أكثر من أي طرف آخر، بدأب ووحشية. لم تعد الدولة الفلسطينية ممكنة بأي حال، والوضع القائم هو بالفعل وضع دولة واحدة، لكن تحت مظلة الفصل العنصري. يعد القرار حدثاً كبيراً وغير مسبوق، فحزب الخضر لم يعد حزباً هامشياً في الساحة السياسية البريطانية، كما كان حتى العام 2025. صعدت جماهيرية الحزب بشكل درامي، منذ انتخاب زاك بولانسكي زعيماً له في أيلول/سبتمبر من العام الماضي، وارتفعت عضويته في عام واحد من 68 ألف عضو إلى 230 ألف عضو الشهر الماضي. من حيث عدد الأعضاء، يحتل الخضر المركز الثالث بفارق صغير عن حزب الإصلاح اليميني في المرتبة الأولى، وعن حزب العمال في المرتبة الثانية، ويصل عدد أعضائه إلى حوالى ضعفي عضوية حزب المحافظين العريق. ولو استمرت معدلات زيادة عضويته كما هي، قد يحتل المرتبة الأولى بين الأحزاب البريطانية من حيث عدد الأعضاء بحلول العام المقبل. وبحسب استطلاعات الرأي منذ بضعة شهور، نال الحزب أكثر من 20 بالمئة من تفضيلات المصوتين، بحصة تساوي ما حصل عليه حزب العمال، متجاوزاً حزبي المحافظين والديمقراطيين الأحرار. وارتبط صعود شعبية الخضر بمواقفه الجذرية من الحرب في غزة، وتحول المصوتين اليساريين الأكثر جذرية بعيداً عن حزب العمال في ظل قيادة زعيمه السابق، كير ستارمر. لكن عضوية الحزب لا تنعكس بالضرورة على حظوظه الانتخابية، خصوصاً وأن شعبية الخضر تظل ترتكز في المدن الكبرى. وكما كان صعود شعبية الخضر سريعاً ومفاجئاً، فإن هبوطها كان بالسرعة نفسها، إذ إن انتخاب آندي بيرنهام ليخلف ستارمر كزعيم للعمال كان له تأثير عكسي على الخضر وبشكل فوري. وآخر استطلاعات الرأي تشير إلى خسارة الخضر حوالى نصف شعبيتهم لصالح العمال. ومع حصولهم على 10 بالمئة من الأصوات في استطلاعات الرأي الأخيرة، إلا أن تلك الأصوات لن تترجم إلا في صورة عدد محدود من المقاعد في مجلس العموم، من 6 إلى 9 مقاعد فقط. بمجرد إعلان القرار، تعرض الحزب لحملة محلية ودولية شرسة على وقع تهمة معاداة السامية المعتادة. وثمة دعوات لطرده من تحالف أحزاب الخضر الأوروبية. وبالتوازي، صدرت تصريحات من داخل الحزب تحتج على القرار، وتنم عن انقسام حاد في قمته (وعلى الأرجح لم يكن القرار ليمر لو كانت آليات اتخاذ القرار في يد قيادات الحزب كما هو الحال في بقية الأحزاب البريطانية الرئيسية). ومع هذا يظل القرار حدثاً كبيراً، لكن على مستوى محلي، وقد يكون مثالاً ملهماً لأحزاب أوروبية أخرى في المستقبل القريب. يأخذ حزب الخضر البريطاني الخطوة الأولى نحو الاعتراف بنهاية حل الدولتين في الفضاء السياسي الغربي، مع إدانة لا تتعلق بأفعال الدولة الإسرائيلية بل تتعلق بمنطق وجودها نفسه.