عادت مؤخراً حملة الاتهام والتخوين ضد الباحثة أنصار شحود، تُحمّلها مسؤولية إخفاء فيديو يتعلّق بأطفال رانيا العباسي، وتتهمها بالمتاجرة بالقضية، في إشارة إلى الفيلم السويدي الذي تناول التحقيق الذي قادته أنصار وفريقها وأسهم في الكشف عن المجازر التي ارتُكبت في حي التضامن. هذا المقال ليس للدفاع عن أنصار شحود كشخص، ولا لمنحها وفريقها حصانة من النقد والمساءلة. فكل عمل بحثي قابل للمراجعة، وكل تحقيق يمكن أن تُطرح حوله أسئلة تتعلق بالمنهجية والتوقيت والتنسيق مع الجهات المختصة. لكن هناك فرقاً واضحاً بين النقد المسؤول وبين التشهير والاغتيال المعنوي. هناك فرق بين أن نسأل: ماذا كان يعرف الفريق؟ ومتى عرفه؟ وما المواد التي كانت بحوزته؟ وبين أن نتهم الباحثة بأنها أخفت الحقيقة أو تاجرت بآلام الضحايا. إن التحقيق الذي قاد إلى كشف هوية أمجد يوسف لم يكن محاولة للظهور أو البحث عن الشهرة. كان عملاً استقصائياً معقداً استمر سنوات، أدى في النهاية إلى كشف هوية المجرمين وعلى رأسهم المدعو أمجد يوسف، والحصول منه على معلومات واعترافات ساعدت في ربطه مباشرة بالمجازر التي ارتُكبت بحق المدنيين في حي التضامن. هذا النوع من العمل ليس سهلاً ولا آمناً. إنه عمل محفوف بمخاطر أمنية وقانونية ونفسية، وقد يعرّض الباحثة ومن حولها للخطر. لذلك فإن اختزال سنوات من البحث والتقصي في صورة أو محادثة مجتزأة أو اتهام على وسائل التواصل الاجتماعي يمثل ظلماً للوقائع قبل أن يكون ظلماً للأشخاص. فبحسب المعطيات المتداولة، تمكنت أنصار وفريقها من الحصول على 27 مقطع فيديو من أحد الشقيقين اللذين عثرا عليها في حاسوب أمجد يوسف، وهي المقاطع التي تناولها التحقيق المنشور في صحيفة الغارديان. وقد قامت بتسليم تلك المقاطع إلى جهات أمنية وقضائية ألمانية وهولندية عام 2022، وأدلت بشهادتها حولها أمام محكمة هامبورغ الإقليمية في قضية محاكمة أحمد حمروني التي انتهت بالحكم عليه عشر سنوات. كما أدلى الشقيقان بإفادتهما في المحكمة ذاتها، حيث أكدا أنهما أرسلا مقاطع الفيديو أيضاً إلى ناشطين سوريين ومنظمات حقوقية متعددة. وفي أيار الماضي، أعلنت الهيئة الوطنية للمفقودين أنها تسلّمت 29 فيديو عن طريق منظمة حقوقية حصلت عليها من الشقيقين في باريس. وأيضاً، أعلنت شقيقة رانيا العباسي أنها تلقت فيديو الأطفال من الآلية الدولية المستقلة، وهذا يعني ببساطة أن هناك فرقاً بين المقاطع التي كان الشقيقان يحتفظان بها، وبين المقاطع التي وصلت فعلاً إلى فريق أنصار. فلا يمكن محاسبة فريق بحثي على دليل لم يكن في حوزته، ولا يجوز إعادة بناء المعرفة السابقة على أساس معلومات ظهرت لاحقاً، ثم اتهام الباحثة بالتقصير، فالتحقيقات لا تُقاس بالنتيجة النهائية وحدها، بل بالسياق الزمني الذي جرى فيه العمل، وبالمواد المتاحة، وبدرجة اليقين التي سمحت بها الأدلة في كل مرحلة. كما أن تداول بعض الصور على أنها صور حقيقية لأطفال رانيا العباسي يزيد من صعوبة النقاش، خصوصاً إذا تبيّن لاحقاً أن بعضها مولّد بالذكاء الاصطناعي أو صُنع لأغراض تعبيرية. وهذا يوضح مدى خطورة التعامل مع المواد المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي باعتبارها أدلة نهائية، من دون التحقق من مصدرها وسياقها وسلامتها الرقمية. أما ما يتصل بالمحادثات المتداولة بين أنصار شحود وحسان العباسي شقيق السيدة رانيا، فإن نشر أجزاء مبتورة من أي مراسلة قد يؤدي إلى تشكيل انطباع مختلف عن مضمونها الكامل. فقد تضمنت المحادثة أن أنصار قالت لحسان إنها أرسلت للشرطة الألمانية بريداً إلكترونياً أرفقت فيه صور الأطفال ورقم هاتفه. حذف هذا الجزء يغيّر صورة الوقائع، ويضع الرأي العام أمام رواية ناقصة ومضللة. إذا كان هناك دليل يثبت أن أنصار أو فريقها أخفيا حقيقة صور الأطفال عمداً، فيجب تقديم هذا الدليل بوضوح إلى الرأي العام والجهات القضائية. أما بناء الاتهام على مواد ظهرت لاحقاً، أو على رسائل مجتزأة، أو على استنتاجات، فلا يقود إلى الحقيقة، وقد يؤدي إلى ترهيب الباحثين والناشطين ودفعهم إلى الابتعاد عن الملفات الحساسة والخطيرة، في الوقت الذي تحتاج فيه هذه القضايا إلى مزيد من العمل والتوثيق، لا إلى إسكات كل من يقترب منها. ولا ينبغي أن يتحول شكل أنصار شحود أو حياتها الخاصة إلى جزء من النقاش. فهذه أمور لا علاقة لها بتقييم الأدلة، وتفتح الباب أمام اغتيال الشخصية بدل مساءلة العمل. وإن تقييم الباحث يجب أن يكون على أساس ما فعله، وما وثّقه، وما امتلكه من أدلة، وما أرسله إلى الجهات المختصة، لا على أساس مظهره أو حياته الخاصة أو التخمينات المتعلقة بنواياه. القضية في النهاية ليست أنصار شحود، ولا حسان العباسي، ولا أي شخص آخر. القضية هي اختفاء رانيا العباسي وأطفالها، وضحايا مجزرة التضامن، وعشرات آلاف السوريين الذين ما زال مصيرهم مجهولاً. و