بعد ثلاث سنوات على 7 أكتوبر، تبدّلت المنطقة. لم تغيّر الحروب التي تلتها فقط خرائط النفوذ، بل أعادت ترتيب الأولويات، ودَفعت القضية الفلسطينية مجدداً إلى قلب المعادلة الإقليمية، وما تبعها من اتجاهات توسيع دائرة التطبيع. قلبت 7 أكتوبر المسارات، وفي هذا المشهد، لم يكن لبنان بمنأى عن التحولات التي دفعته إلى مرحلة مختلفة عما سبقها. وبعد 7 أكتوبر وحربين مدمرتين على لبنان، لم يعد الجنوب مجرد ساحة اشتباك، بل تحوّل إلى مساحة لإعادة رسم واقع على الأرض، مع استمرار العدوان الإسرائيلي واحتلال أجزاء واسعة من الجنوب، وصرنا أمام مناطق رمادية وخطوط صفراء محتلة بنار العدوان. لم تنتهِ المعركة بعد 7 أكتوبر، ولم يصل لبنان بعد إلى تسوية نهائية، بل دخل في مرحلة أكثر تعقيداً، عنوانها التفاوض على ترتيبات جديدة، فيما تبقى الوقائع الميدانية مفتوحة على احتمالات عدة. فلا اتفاق الإطار دخل على الأزمة كخاتمة للحرب، ولا المعطيات المعلّقة على التفاهمات التي تتجاوز الداخل اللبناني وصلت إلى حل. فالمعادلة لم تعد مرتبطة فقط بقدرة لبنان على تنفيذ ما يُطلب منه، ولا بملف السلاح وحده، بل بمسار إقليمي أوسع تتداخل فيه المصالح الأميركية والإسرائيلية والإيرانية، وبقدرة الأطراف على الانتقال من إدارة المواجهة إلى إنهائها فعلياً. كشفت الحرب محدودية قدرة لبنان على التحكم بمسار الأحداث المحيطة به، وانعكس ذلك على الداخل السياسي. لا شك أنه بعد 7 أكتوبر دخل لبنان في مرحلة مختلفة مع انتخاب جوزاف عون رئيساً للجمهورية وتشكيل حكومة نواف سلام، وبروز خطاب سياسي أكثر وضوحاً حول استعادة دور الدولة، وحصرية قرار الحرب والسلم، واحتكار السلاح، وإعادة بناء المؤسسات وتثبيت العلاقات العربية والدولية من جهة. وفي المقابل، وجد حزب الله نفسه أمام واقع سياسي جديد، فرض عليه إعادة ترتيب أولوياته وطريقة حضوره الداخلي، مع التحديات التي واجهها أولاً، عندما اقتُلع منه في البيان الوزاري معادلة "جيش شعب مقاومة"، وعندما حُوصر حكومياً منذ 5 آب بقرار حصرية السلاح. ولكن هذه المشهدية، وإن كانت شكلياً حملت تبدلات كثيرة، إلا أنّ لبنان لا يزال محتكماً للمسارات السياسية نفسها في المضمون. المفاوضات الأميركية-الإيرانية وفي الجنوب، تحديداً، تبدو الصورة أكثر ارتباطاً بهذه المعادلة. فإسرائيل تحاول تثبيت أكبر قدر ممكن من المكاسب التي تحققت خلال الحرب، قبل أن تتراجع قدرة الأطراف الدولية على مواصلة الضغط، أو قبل أن تتقدم مسارات التفاوض. وفي المقابل، تحاول الولايات المتحدة إبقاء الحرب ضمن حدود يمكن التحكم بها، بما يمنع تحولها إلى مواجهة إقليمية مفتوحة. وبين هذين المسارين، يجد لبنان نفسه أمام ترتيبات تُفرض عليه في جزء كبير منها من خارج حدوده، فيما يبقى السؤال الأساسي: هل يمكن لهذه الترتيبات أن تنتج وقفاً مستداماً للنار، أم أنها ستبقى مجرد صيغة مؤقتة لإدارة الصراع؟ وهنا تبرز المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية كعامل قد يكون حاسماً في المرحلة المقبلة. وهذا لا يعني أن الملف اللبناني سيُحسم تلقائياً على طاولة أخرى، لكنه يعني أن قدرة لبنان على الخروج من أزمته ستبقى مرتبطة إلى حد كبير بالبيئة الإقليمية التي أنتجت هذه الأزمة أصلاً. لذلك، فإن السؤال الذي يواجه لبنان اليوم لا يقتصر على كيفية انتهاء الحرب، بل على طبيعة لبنان الذي سيخرج منها. هل تنتهي المرحلة بصيغة تشبه اتفاق الهدنة الذي رسم بعد حرب سابقة حدوداً جديدة للعلاقة مع إسرائيل، أم أن المنطقة تتجه نحو ترتيبات مختلفة بالكامل؟ نقرأ في حديث مع السفير اللبناني السابق في واشنطن، رياض طبارة، في مرحلة لبنان ما بعد السابع من أكتوبر، الذي يعتبر بادئ ذي بدء أنّ التأثير الأساسي لذكرى 7 أكتوبر تمثّل في إعادة القضية الفلسطينية إلى الواجهة. ويعتبر طبارة في حديثه لـ"المدن" أنه "قبل السابع من أكتوبر، كان هذا الموقف قد بدأ يتغيّر، مع تصاعد الحديث عن "اتفاقات إبراهيم" وعن مساعٍ إسرائيلية وأميركية لإدخال المملكة العربية السعودية في مسار هذه الاتفاقات. وكانت الأمور تسير في هذا الاتجاه، إلى أن جاء السابع من أكتوبر ليعيد القضية الفلسطينية إلى صدارة المشهد، ويعيد النقاش إلى جذوره. لذلك، لا أحد اليوم يستطيع أن يتحدث عن التطبيع بمعزل عن إيجاد حل للقضية الفلسطينية، ولا سيما في ظل الحرب المدمرة التي شهدها قطاع غزة وما رافقها من تداعيات واسعة". وعن لبنان يقول: "تأثرت مختلف الدول العربية بالحرب، وكان لبنان من أبرز الدول التي انعكس عليها هذا التصعيد. فحزب الله انتقل إلى ما سمّاه المساندة، في وقت حصلت فيه إسرائيل على دعم أميركي ودولي واسع، أو ما يشبه شيكاً على بياض، لتنفيذ عملياتها العسكرية". إلا أن إسرائيل تجاوزت حتى المسار التقليدي للحرب. في المقابل، حزب الله "لم يعد قادراً على مواجهة الحرب بالطريقة الت