قدّرت مجموعة العمل المعنية بالمساعدات النقدية في لبنان في تقرير لها في شهر تموز الماضي، كلفة سلة الحد الأدنى للبقاء في لبنان بنحو 563 دولاراً شهرياً، لأسرة مكونة من 5 أفراد بناءا على دراسة أجرتها في نيسان 2026. في حين أن المساعدة النقدية الشهرية متعدّدة الأغراض، التي تُقدم كدعم لمن يعيشون تحت هذا الحد، لا تتجاوز 145 دولاراً للأسرة، وترتفع الكلفة لدى الأسر النازحة إلى نحو 624 دولاراً في الشهر، بعد إضافة الأكلاف الإضافية المرتبطة بالنزوح، في حين تبقى المساعدة ثابتة. الجواب هو أن المساعدة النقدية التي تُقدم للأسر لا تتجاوز 26 بالمئة، لتأمين الكلفة التقديرية لتأمين الحد الأدنى من الإحتياجات الأساسية للبقاء، أي نحو ربع الحد الأدنى لكلفة البقاء، بينما يبقى على الأسرة تأمين نحو 418 دولاراً شهرياً من مصادر أخرى. النقطة الأهم التي يتضمنها التقرير هي أن الأسرة "تحتاج 563 دولاراً لتأمين حد البقاء الأدنى وليس لتعيش حياة كريمة، أو كلفة المعيشة بمستوى معيشي لائق"، وهذا يعني أنه حتى المساعدة الإنسانية التي يُفترض أن تساعد الأسرة، على تأمين إحتياجاتها الأساسية لا تغطي سوى ربع كلفة الحد الأدنى للبقاء، ما يدل (من الناحية الاقتصادية) على أن هناك فجوة كبيرة بين المساعدة والإحتياجات، وهذه الفجوة تعني أن الأسرة مُضطرة إلى تعويضها من دخل العمل، مدخرات إن وجدت، مساعدات أخرى،الاستدانة، أو تقليص إستهلاكها واحتياجاتها. صحيح أن الـ145 دولاراً ليست راتباً ولا يفترض أن تكون بالضرورة المصدر الوحيد لدخل الأسرة، لكنها تكشف أن شبكة الأمان الإجتماعي والمساعدات الإنسانية لا تستطيع وحدها سد الفجوة المعيشية، كما يكشف الرقم هشاشة الأسر الفقيرة والنازحة، فكلما إرتفعت أسعار الغذاء والسكن والطاقة والنقل والخدمات، يصبح مبلغ الـ145 دولاراً أقل قدرة على تغطية الإحتياجات الفعلية، خصوصاً إذا لم ترتفع قيمة المساعدة بالتوازي مع الأسعار. حتى قبل التصعيد الأخير، كان لبنان يعيش أصلاً أزمة فقر عميقة نتيجة انهيار 2019. البنك الدولي قدّر في 2024 أن 44 بالمئة من السكان كانوا يعيشون في فقر نقدي. كما أن نحو 80 بالمئة كانوا يعانون من الفقر أو الحرمان متعدد الأبعاد، أي نقص في أكثر من جانب من جوانب الحياة مثل التعليم والصحة والسكن والخدمات والدخل، وهذا يعني أن الحرب لم تبدأ في ظل إقتصاد سليم؛ بل جاءت فوق أزمة اقتصادية واجتماعية عمرها سنوات. التصعيد الذي بدأ في 2 آذار 2026 أدى إلى نزوح واسع النطاق، مع خسارة أسر كثيرة لمصادر دخلها وارتفاع كلفة السكن والتنقل والغذاء. في ذروة الأزمة، تحدثت المنظمات الدولية عن أكثر من مليون شخص نازح، ومع عودة أعداد كبيرة لاحقاً، بقي النزوح الداخلي مرتفعاً؛ فقد سجلت المنظمة الدولية للهجرة 375,090 نازحاً داخلياً في 22 تموز 2026، مع تسجيل أكثر من 753 ألف عائد إلى مناطقهم خلال الفترة نفسها. والنقطة الإقتصادية المهمة هنا أن النزوح لا يعني فقط فقدان المنزل، الأسرة النازحة قد تخسر في الوقت نفسه العمل والدخل والمسكن والممتلكات والقدرة على الوصول إلى المدرسة أو المستشفى وشبكة الدعم الاجتماعي. لذلك يمكن للحرب أن تدفع أسراً كانت فوق خط الفقر بسرعة كبيرة. الأرقام الصادرة عن مجموعة العمل المعنية بالمساعدات النقدية في لبنان، تقول أن حد البقاء الأدنى هو 563 دولار، بينما المساعدة النقدية هي 145دولار والتغطية الآتية عن طريق المساعدات هي 26 بالمئة، عندها من المفيد وضع هذه الأرقام في سياق إقتصادي و إجتماعي، لأن الأسرة التي فقدت جزءاً من دخلها بسبب الحرب، ثم اضطرت إلى النزوح، لا تستطيع تعويض فجوة المعيشة من المساعدة النقدية وحدها. وخطة الاستجابة لعام 2026 تستهدف نحو 998 ألف شخص بالمساعدة النقدية متعددة الأغراض، لكن القيمين على الخطة يوضحون أن المساعدات تستهدف فئات شديدة الهشاشة وفق مؤشرات القدرة الاقتصادية والحرمان. بالخلاصة إذا أردنا تلخيص تأثير الحرب على الفقر في لبنان في سلسلة واحدة، نقول أن الأزمة الاقتصادية منذ2019 أدت إلى إنخفاض الدخل والقدرة الشرائية، وترافقت مع حربين في العام 2024 و2026 وتسببت بنزوح وفقدان مساكن وأعمال، وساهمت في ارتفاع كلفة الغذاء والسكن والنقل وإستنزاف المُدخرات، وزيادة الإعتماد على المساعدات وإرتفاع خط الفقر وانعدام الأمن الغذائي، وهذا يجعل الحرب سببا مضاعِفاً للفقر وليس مجرد عامل إضافي.