في عزّ صيف القاهرة، حيث الشمس حارقة والشوارع تضجّ بأبواق السيارات وأصوات الباعة، ثمة مشهد لا يبدو للحرّ أي سلطة عليه: "كباية شاي" ساخنة، تُرتشف على مهل وكأن درجة الحرارة في الخارج لا تعنيها، مشهد عصيّ على الحرّ وعلى المنطق معاً. ثمة مفارقة في هذا المشهد، فبين حرارة الشمس وبخار الكوب، تبدو "كباية الشاي" وكأنها تسير عكس منطق الطقس. ومع ذلك، لا يتردّد أحد في رفعها إلى شفتيه، في عادة عبرت الأجيال حتى بات حضورها أقوى من أشعّة الشمس الحارقة. لكن هذه الألفة بين المكان والكوب لم تولد معه، وراءها رحلة طويلة حوّلت الشاي من غريبٍ عابر إلى واحد من أكثر تفاصيل الحياة حضوراً. من طريق الحرير إلى "كباية الشاي" قبل أن يستقرّ الشاي في أكوابنا، كان مسافراً. حملته القوافل من موطنه في الصين، وعبرت به طرق التجارة القديمة التي عُرفت لاحقاً بطريق الحرير، متنقّلاً بين الشرق والغرب، من سوق إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى. وفي كل محطة، كان يترك شيئاً من حكايته ويكتسب طقساً جديداً، إلى أن وصل إلى منطقتنا غريباً، ثم بقي فيها كأنه لم يكن يوماً كذلك. مقهى “جروبي الكوربة“ في شارع إبراهيم اللقاني، مصر الجديدة، نحو عام 1925. (إدوار لويس جوزيف إمبان) لكنّ حضوره الواسع في العالم العربي جاء متأخراً مقارنة بالقهوة التي سبقت الشاي بقرون في ترسيخ ثقافة المشروب الساخن والمقهى والضيافة. ومع اتساع حركة التجارة خلال القرن التاسع عشر، ازداد حضور الشاي في أسواق الدولة العثمانية وبلاد الشام، فيما عزّز النفوذ البريطاني حضوره في مصر، حتى تحوّل الشاي من مشروب وافد إلى جزء من الحياة اليومية. وما بدأ مشروباً حكراً على الميسورين، سرعان ما وجد طريقه إلى الشارع، ليصبح جزءاً من يوميات الناس ومصدر رزق لكثيرين. لكن رغم تجذّر الشاي في الحياة المصرية، تعتمد مصر على استيراده، ويأتي جزء كبير من الشاي الأسود من كينيا، إحدى أبرز الدول المنتجة له عالمياً. لم تبقَ حكاية الشاي حبيسة مصر، بل امتدت إلى أنحاء العالم العربي، متخذةً في كل بلد طابعاً خاصاً؛ من "الاستكان" العراقي إلى الشاي بالنعناع في المغرب، مروراً بالخليج وبلاد الشام. وفي السعودية، جاور الشاي القهوة العربية من دون أن ينتزع منها رمزيتها في الضيافة، فيما أصبح تحضيره في المغرب طقساً اجتماعياً قائماً بذاته. حتى إن بعض الكتابات والتداولات الشعبية أطلقت عليه لقب "خمر المؤمنين"، وإن ظل أصل التسمية غير محسوم تاريخياً. هكذا عبرت ورقة الشاي الحدود، ليصنع منها كل مجتمع كوباً على صورته. لم تكن رحلة الشاي هادئة دائماً. ففي عام 1773، تحولت صناديق منه إلى رمز للتمرّد عندما ألقى محتجون في المستعمرات الأميركية شحنات من الشاي في ميناء بوسطن احتجاجاً على السياسات والضرائب البريطانية، في الحدث الذي عُرف لاحقاً باسم "حفلة شاي بوسطن"، وأصبح محطة أساسية على الطريق نحو الثورة الأميركية، قبل أن يكون الطلب البريطاني عليه لاحقاً جزءاً من الخلل التجاري مع الصين الذي مهّد لحروب الأفيون. مشروب نربطه اليوم بالهدوء، كان يوماً في قلب التجارة والتمرّد والصراع. لكن لماذا نختار كوباً ساخناً في عزّ الحر؟ علمياً، قد يحفّز المشروب الساخن التعرّق، فيساعد تبخّره الجسم على فقدان الحرارة، شرط ألا تكون الرطوبة مرتفعة. لكن العلم يفسّر جزءاً فقط من السبب، فحين تصبح الرشفة عادةً متوارثة، لا يعود الطقس وحده صاحب القرار. ولأنهم أسموه يوماً "خمر المؤمنين"، فلعلّ في الشاي شيئاً من خمر الحب، نشوته جلسةٌ تطول، وحكايةٌ لا تنتهي، ودفءٌ لا تقوى عليه حتى شمس الصيف.