يبث هذا المقال(نشر في العدد 82 من دورية سياسات عربية التي تصدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومعهد الدوحة للدراسات العليا) في أثر التعرّض المتواصل لخطاب إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وممارساته في القيم والأعراف الأخلاقية السائدة في المجال العمومي في الولايات المتحدة الأميركية وخارجها، انطلاقًا من التمييز بين الاعتبارات اللا-أخلاقية الخاصة بالسياسة وتبرير الخطاب والممارسة السياسية غير الأخلاقيين. وتتناول الدراسة من منظور تحليلي نقدي، كيف يمكن لتكرار ممارسات الاستخفاف بالحقيقة، وتسخير السلطة والمال العام للمصالح الشخصية والحزبية، والاستخفاف بالقانون، والعنصرية أن يحول ما كان يُعد تجاوزًا يستدعي المساءلة إلى سلوك مألوف في الحياة السياسية. كما تناقش الدراسة حدود الاكتفاء بالسخرية من هذه الممارسات أو تقييمها وفق حسابات المنفعة والنجاح، من دون إخضاعها لنقد أخلاقي مستقل. وتخلص الدراسة إلى أن الضرر لا يقتصر على السياسات ذاتها، بل يمتد إلى احتمال تبلد الحس الأخلاقي لدى الجمهور بفعل الاعتياد عليها، وتآكل المعايير التي تضبط ممارسة السلطة والمساءلة عنها، وهو ما يتطلب استعادة النقد الأخلاقي للسياسة، وعدم اختزال الحكم على الأفعال السياسية في نتائجها أو موازين القوة والمصلحة. مقدمة: ملاحظة شبه فلسفية تطبيقية يعالج هذا المقال حالةً عينيةً من حالات العلاقة المعقدة بين الأخلاق والسياسة، من دون تعريفات نظرية لمفاهيم فلسفة الأخلاق، أو ما يسمى أحيانًا "علم الأخلاق"، الذي يتضمن نظريات مختلفة في تفسير مصادر القيم الأخلاقية وقواعد السلوك الأخلاقي وما يميزه من غيره. ولا شك في أن هذا العلم يتضمن بعدًا إرشاديًا توجيهيًّا؛ فهو ليس علمًا بالمعنى الصارم للمصطلح. ومن مشكلات بُعدِهِ التوجيهي أن الناس عمومًا لا يتصرفون بموجب مذهب أخلاقي فلسفي بعينه؛ فسلوكهم مُركّب وسابق على صياغة المذاهب الأخلاقية وفقًا لتصنيفات الفلسفة الأخلاقية. وحتى في حالة الخيارات الأخلاقية الواعية؛ أي المدرِكة للخيارات الأخلاقية الممكنة عند الفعل، فإن الدوافع تختلف من إنسان إلى آخر، وبين أفعال الفرد نفسه، كما تتباين المبررات الأخلاقية التي تُستخدم لتبرير فعلٍ بأثر تراجعي. وثمة علاقة وطيدة بين سلوك الإنسان العادي اليومي وأحكامه العفوية، ومنها تلك المنطلقة من آراء مسبّقة، أو عادات، أو خوف، أو عصبية هوياتية، أو إغراء بعائد مادي أو معنوي، أو قيم، أو من اجتماع بعض هذه الحوافز، المتأثرة باستعداداته الطبيعية والعرف والقيم السائدة اجتماعيًا، وما تشرّبه الإنسان واعتاده مما يعدّه حسنًا أو قبيحًا؛ جيدًا أو سيئًا. فالإنسان لا يواجه كل يوم معضلة أخلاقية يُفكّر في حلها بأدوات فلسفية في تعريفه للخير والشر أو عبر مذهب فلسفي أخلاقي. إن السلوك السياسي غير الأخلاقي - الذي نخصص هذه الدراسة لأحد أشكاله، وهو الناجم عن القناعة بأن السياسة لاأخلاقية بطبيعتها من أجل تبرير سياسات غير أخلاقية - لا فائدة ترجى في محاكمته وفقًا لمذهب أخلاقي بعينه. فغالبًا ما يخرق هذا السلوك قواعد الأخلاق المتضمّنة في جميع المذاهب الأخلاقية؛ لأنه يسعى لتحقيق الغايات بموجب قواعد لا علاقة لها بالأخلاق، حتى لو التقت لحظيًّا، ومن دون قصد، مع ما يعدّه بعض الناس أخلاقيًّا. وثمة غايات وممارسات تخرق جميع المذاهب الأخلاقية؛ سواء أكانت أخلاقيات الواجب (الديونطولوجية) ذات القواعد الناهية، أم أخلاقيات المناقبية، أم أخلاقيات العواقب (العواقبية Consequentialism). وإذا مورست هذه السياسات في الحكم مدة طويلة مع تسويغات وتبريرات غير أخلاقية، فقد تؤثر في القيم في المجال العمومي وفي حسّ الناس الأخلاقي. السياسة غير الأخلاق، ولا تعدّ اعتباراتها، مثل السلطة والمصلحة والأمن والنظام وغيرها بذاتها، قيمًا أخلاقية. ومع ذلك، يمكن ربطها بالأخلاق، أو على الأقل ادّعاء أنها تخدم قيمًا معينة، مثل أمن الناس (حقهم في الحياة)، والمساواة والحرية وغيرها. ويصحّ التمييز بين سياسة تحرص على التزود بمثل هذه الادعاءات؛ ما يفتح المجال لمناقشة عقلانية للهوة بين القول الأخلاقي والفعل غير الأخلاقي، بما فيه الغايات والوسائل، ومحاسبة فعل السياسيين وفقًا لأقوالهم من جهة، وبين سياسة تعتد بلاأخلاقية السياسة واتباع قواعد مثل "الغاية تبرر الوسيلة"، و"القوة تصنع الحق"، والسلطة عبارة عن امتيازات للحكام والمحاسيب، والقوة نجاح والضعف فشل، من جهة أخرى. من منظور أخلاق الواجب، يُنهى عن الكذب، ويُعَد قول الحقيقة واجبًا أخلاقيًا. وحين يُتسامح مع عدم قول السياسي الحقيقة كاملة في ظروف معينة، فهذا لا يتيح التسامح مع الكذب. وإذا جرى التسامح مع الكذب، في حالة كذب الحكومات، فيفترض أن يكون ذلك احترامًا لنواهي وواجبات أخرى تقدَّم سياقيًّا على قول الحقيقة؛ مثل إنقاذ الحياة، أو أمن البل