بعد 3 سنوات على هجوم 7 تشرين الأول، تكشف سلسلة تقارير وشهادات بريطانية صورة قاتمة عن واقع الجالية اليهودية في المملكة المتحدة، مع تصاعد غير مسبوق في الحوادث المعادية لليهود وانتقالها من الشوارع والجامعات إلى المدارس والمستشفيات ومؤسسات الثقافة والسياسة، بما دفع كثيرين داخل الجالية إلى التساؤل عن مستقبلهم في البلاد. وبحسب تقرير للصحافي إيلي ليئون في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، استناداً إلى تحقيقات نشرتها صحيفة "التلغراف" البريطانية، فإن تداعيات الحرب في الشرق الأوسط امتدت إلى الداخل البريطاني على نحو عميق، إذ تغيرت حياة الجالية اليهودية بصورة واضحة، وسط ارتفاع في الحوادث المعادية لليهود وتنامي الشعور بعدم الأمان. ووفق بيانات منظمة CST، التي تتولى حماية الجالية اليهودية في بريطانيا، سُجل خلال النصف الأول من عام 2026 وحده 1926 حادثاً معادياً لليهود، أي نحو ضعف المستويات التي كانت معروفة قبل 7 تشرين الأول 2023. وتحولت الاعتداءات، بحسب التقرير، إلى وقائع ملموسة، إذ تعرض رجلان لهما مظهر يهودي للطعن في نيسان الماضي في حي غولدرز غرين في لندن، بعد سلسلة من عمليات إحراق استهدفت معابد وسيارات إسعاف تابعة لمتطوعين يهود. وفي مانشستر، قُتل مصلّيان قبل أكثر من عام بقليل في هجوم دهس وطعن خارج كنيس، فيما حُكم على رجلين بالسجن المؤبد في شباط الماضي بعد إدانتهما بالتخطيط لهجوم مسلح ببنادق هجومية ضد الجالية اليهودية في المدينة. ولا يقتصر المشهد على الشوارع، إذ تقول أمهات إن أبناءهن باتوا يضطرون إلى إخفاء هويتهم اليهودية داخل المؤسسات التعليمية. كما يتعرض تلامذة لمضايقات، وتُرسم صلبان معقوفة داخل دورات المياه، في حين تبدو الصورة أكثر حدة داخل الجامعات. وأفادت منظمة CST بارتفاع الحوادث في الحرم الجامعي بنسبة 413% منذ اندلاع الحرب، مع تسجيل دعوات علنية لطلاب يهود إلى مغادرة البلاد أو "العودة إلى أوشفيتز". وفي أحد أكثر الملفات حساسية، كشف تقرير لحملة مكافحة معاداة اليهود سلسلة حوادث داخل نظام الصحة العامة البريطاني، بدأت من ممرضة تعرضت لتحية نازية من زميل، ووصلت إلى تعرض موظف طبي يهودي لاعتداء جسدي. لكن الحادثة الأكثر إثارة للقلق تعود إلى سول فريمان من مدينة شيفيلد، الذي كان يخضع لعملية جراحية لإزالة ورم سرطاني من رأسه، عندما قرر الجرّاح فتح نقاش معه بشأن الحرب في غزة. وقال الطبيب، بحسب الرواية: "كنت تتوقع منهم أن يعرفوا أكثر بالنظر إلى ما حصل لهم في أوروبا". وعندما سأله فريمان بحذر عمّن يقصد، أجاب الجرّاح بينما كان يواصل إجراء العملية: "اليهود. كان يجب على اليهود أن يعرفوا أكثر. اليهود يفعلون ذلك من أجل المتعة. يطلقون النار على الأطفال في الرأس أو الساقين من أجل المتعة". وقال فريمان إنه شعر بعجز وقلق شديدين في لحظة كان فيها في واحدة من أكثر الحالات ضعفاً بين مريض وطبيب. وفي موازاة العنف الجسدي واللفظي، يرصد التقرير ما يصفه بعملية إقصاء ثقافي داخل بعض الأوساط الفنية البريطانية. وقال بنجامين تيل، المدير الموسيقي في كنيس في لندن والعامل أيضاً في صندوق السينما اليهودية - البريطانية، إنه أصبح هدفاً بسبب هويته، مشيراً إلى أن بعض الجهات في الوسط الفني تتعامل اليوم مع الهوية اليهودية باعتبارها "خطراً على الصورة العامة". ووفق شهادته، تبحث دور عرض ومؤسسات ثقافية عن ذرائع لإلغاء عروض أفلام تتناول الحياة اليهودية حتى عندما لا تكون لها علاقة بإسرائيل أو السياسة، فيما يُلغى حضور موسيقيين، ولا يُدعى كوميديون للعروض، ويواجه كتاب صعوبات في الحصول على عقود. وقال تيل إن "أن تكون يهودياً أصبح في المشهد الفني البريطاني مخالفة عقوبتها الإلغاء". وتناولت صحافية "التلغراف" نيكول لامبرت تجربة شخصية خلال إحياء الذكرى الـ90 لـ"معركة كابل ستريت"، وهي المناسبة التاريخية التي شهدت توحداً بين يساريين ويهود في شرق لندن لوقف الفاشيين بقيادة أوزوالد موزلي. لكن المناسبة الحالية، بحسب التقرير، انقسمت إلى فعالية لليهود ومؤيديهم، وأخرى منفصلة لناشطين مؤيدين للفلسطينيين أعلنوا فيها أن "الصهاينة غير مرحب بهم". وعندما اقتربت لامبرت من المكان لتوثيق التظاهرة، قالت إنها تعرضت فوراً لهجوم لفظي وجسدي، وردد متظاهرون في وجهها "حثالة صهيونية، أنت غير مرحب بك هنا"، فيما حجب آخرون كاميرتها باللافتات. كما صرخت بها ناشطة بارزة ووصفتها بأنها "صهيونية عنصرية"، مع تهديد مبطن بأنها لم تكن لتبقى على قيد الحياة لولا وجود أشخاص في المكان. ورأت لامبرت أن مشاعر الكراهية لدى بعض المتظاهرين من أقصى اليسار ذكّرتها بالهوس باليهود الذي ميّز الفاشيين الذين جاؤوا، بحسب وصفهم، لإدانتهم. وفي السياق نفسه، تبنى حزب الخضر البريطاني هذا الأسبوع قراراً يعتبر أن "الصهيونية عنصرية"، وهي خطوة يقول التقرير