لا يبدو أن أزمة دار الفتوى تتجه إلى حسم سريع. ففي موازاة المسار القانوني، تتسارع حركة اتصالات سياسية ودينية، فيما يتحرك مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان على أكثر من خط، من دون أن تتضح بعد الصيغة التي يمكن أن تنهي هذه الأزمة. وعلمت «المدن» أن اجتماعاً عُقد الاثنين، جمع رئيس الحكومة نواف سلام ورؤساء الحكومات السابقين، وكان ملف دار الفتوى حاضراً في النقاش. والبحث، بحسب مصدر مطلع، تركز على إيجاد مخرج قانوني بالتوافق مع المفتي دريان والمجلس الشرعي الإسلامي الأعلى. لم يخرج المجتمعون، وفق المصدر، بنتيجة حاسمة. لكن ذلك لا يعني أن الاتصالات وصلت إلى طريق مسدود. فالنقاش مستمر، والأفكار المتداولة لم تسقط، فيما يبقى الهدف هو الوصول إلى صيغة تحفظ التوازنات المعنية بالملف ولا تدفعه إلى مواجهة مفتوحة. في المقابل، لا ينتظر دريان ما ستؤول إليه الاتصالات السياسية فقط. فبعد طرابلس وعكار، قد يتحرك المفتي على خط المناطق، في وقت بات فيه واضحاً أن الأزمة لم تعد محصورة بين دار الفتوى ومجلس شورى الدولة، بل دخلت أيضاً في حسابات الحضور داخل البيئة السنية. ولكن بعد تداول حديث عن زيارة مرتقبة لدريان إلى البقاع، علمت "المدن" أن هذه المعلومات عارية من الصحة. في الجانب القانوني، لا يبدو أن الفريق المحيط بدار الفتوى يتعامل مع قرار مجلس شورى الدولة باعتباره نهاية المسار. فالبحث مستمر في الخيارات القانونية الممكنة، وفي كيفية إدارة المرحلة المقبلة، بالتوازي مع الاتصالات السياسية. وهنا تكمن إحدى عقد الأزمة: أي مخرج سياسي يحتاج إلى غطاء قانوني، وأي معالجة قانونية لا يمكن فصلها عن واقع دار الفتوى وموقع المفتي والمجلس الشرعي. ومن هذه الزاوية، تكتسب الاتصالات التي يجريها سلام مع رؤساء الحكومات السابقين أهمية خاصة، خصوصاً أن ميقاتي والسنيورة وتمام سلام يمثلون جزءاً أساسياً من المرجعية السياسية السنية التي يُنظر إليها في مثل هذه الملفات. وقد سبق أن استقبل سلام رؤساء الحكومات السابقين في السرايا ضمن لقاءات تناولت ملفات وطنية مختلفة. ولم يكن احتفال المولد النبوي الشريف في مسجد محمد الأمين في آب الماضي تفصيلاً عابراً في سياق الأزمة. فالمناسبة جمعت رئيس الحكومة نواف سلام ورؤساء حكومات سابقين إلى جانب شخصيات دينية وسياسية ونيابية، فيما رفع دريان سقف خطابه السياسي، في وقت كان فيه ملف الولاية والمسار القضائي يدخلان مرحلة أكثر حساسية. وقرأ متابعون في مواقف المفتي رسالة تتجاوز المناسبة الدينية، وتصب في تثبيت حضور دار الفتوى في المشهد السياسي. وفي هذا السياق، جاء تحرك دريان من بوابة المناطق، وكانت طرابلس محطته الأولى. فالمدينة تتمتع بتمثيل سياسي ونيابي واسع داخل البيئة السنية، إلا أن الموقف على مواقع التواصل الاجتماعي جاء مختلفاً، مع انتقادات لطرح المفتي لأزمات المدينة. وتركزت الملاحظات على أن هذه الملفات معروفة منذ سنوات، وأن إعادة طرحها في هذا التوقيت أثارت أسئلة لدى طرابلسيين حول جدوى هذا الخطاب، في ظل حضور سياسي ونيابي واسع للمدينة. بالتوازي مع البحث عن مخرج، بدأت بورصة الأسماء المحتملة لتولي منصب الإفتاء تتحرك في الكواليس. وإلى جانب الشيخ محمد عساف، رئيس المحكمة الشرعية السنية العليا، والشيخ أسامة حداد، مفتش الأوقاف الإسلامية، يبرز اسم أمين الفتوى الشيخ أمين الكردي، الذي قد يتولى مهام المفتي في حال شغور الموقع، إضافة إلى الشيخ فؤاد زرّاد، أحد أبرز المعارضين لدريان داخل المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى. كما يُتداول اسما الشيخ أحمد كنعان والشيخ باسم عيتاني، ضمن قائمة الأسماء المطروحة في النقاشات الدائرة حول هوية المفتي المقبل. لكن بحسب مصادر، الحديث عن الأسماء لا يعني أن السباق انطلق رسمياً، ولا أن المعركة استقرت على مرشحين اثنين. فقبل معرفة مصير المسار القانوني والسياسي، تبقى بورصة الأسماء قابلة للتبدل، وقد تدخل أسماء أخرى على خط المنافسة. وهنا تحديداً تصبح الاتصالات السياسية أكثر أهمية. فالمطلوب ليس فقط اسماً يحظى بتأييد داخل دار الفتوى، بل صيغة تستطيع تأمين أوسع قدر ممكن من التوافق حول موقع الإفتاء، من دون تحويله إلى عنوان انقسام داخل الطائفة السنية. وفي هذا المشهد، يبقى موقف «تيار المستقبل» لافتاً. مصادر في التيار قالت لـ«المدن» إن ما يجري حالياً ليس معركة سيدخل فيها «المستقبل»، مؤكدة أن التيار لن ينخرط، لا علناً ولا سراً، في معركة دار الفتوى. وتشدد المصادر على دعم دار الفتوى ومقام الإفتاء، من دون الدخول في الاصطفافات المرتبطة بالأسماء. وبذلك، يضع «المستقبل» نفسه خارج بازار المرشحين، في وقت بدأت فيه قوى وشخصيات سنية أخرى تتحرك خلف الكواليس. أما خارجياً، فتظل السعودية ومصر جزءاً من المشهد الذي لا يمكن تجاهله، وإن لم يظهر حتى الآن موقف معلن منهما بشأن اسم محدد.