وأن رحلة الآلام المريرة حان لها أن تنتهي أسأل نفسي لماذا حين نستعيد سيرة الشاعر الصديق الراحل مبارك العامري ونستعيد معها جزءاً مؤسساً لبهاء هذا الأدب ونزوعه الطليعي وأحلامه الشاسعة التي تتجاوز شروط الواقع الصعب المكبل والمحبِط؛ لماذا أستهل هذه الأسطر بأبيات أو كلمات النهاية المأسوية التي اختطفت الشاعر وهو في ذروة عطائه ونضجه الإبداعي شعراً ونثراً إذا صحت هذه الثنائية التي لا قيمة لها أمام زخم الإبداع ودفق المخيلة التي لا تعرف الحدود والتصنيف. هكذا فقط من غير أسئلة ولا أجوبة، لا فواصل ولا نقاط يختتم الشاعر مسيرة حياة حافلة بالإبداع الأدبي والأحلام وصخب الأولاد والعائلة والعالم، بعد آلام المرض المبرحة الشاقة التي كان يعانيها ورغم كل هذا الخضم المأسوي للفراق والبين جاءت تلك الأبيات هادئة تتأمل وتذكر أحبته أبناءه الأوفياء والأصدقاء مفعمين بذكريات حبه ولطفه وهدوئه المتأمل لما حوله ولأحوال الوجود. ليست هناك نبرة بوح وشكوى انثيال عاطفي لشاعر يودع الأحبة وكل هذا البريق الأخاذ خاصة وأن أحلام الشاعر في الإنجاز والإبداع والإضافة ما زالت في منتصفها رغم ما حققه من ريادة وإضافة على صعيد الحساسية الجمالية لما كان سائداً ومستقراً آنذاك في الأرض العمانية. ومبارك العامري عمل مثل قلة على اختراق هذا السائد في الشعر والذائقة المتوارثين منذ قرون والتي لا تقبل المساس والاقتراب النقدي من معاييرها الصارمة وتصنيفاتها الجاهزة. لذلك كان العداء العنفي لكل ما هو جديد وتجريبي ومختلف، شديداً وقاسياً. لكن هذه القلة المبدعة لا بد أن تدفع ثمن الاختلاف والاختراق لجهاز السائد في الأدب والذائقة القارَّين. خصوصاً أن جيلنا الذي ينتمي إليه الشاعر مبارك العامري شاء له التاريخ والقدر أن يكون الطليعة الصدامية الأولى مع ذلك الجهاز من الرؤى والتصورات والأشعار التي يلبسها أصحابها لباس القداسة تحصيناً وترويعاً كي لا تمس أو تتم مقاربتها بشكل خارج المتوارث والمتداول من مديح وهجاء من يقين قاطع وحق مقدس. كان مبارك العامري إلى جانب الشعر، وهو المؤشر الأخطر على صعيد الوعي الجمعي، خصوصاً في عُمان حيث لم تكن ثمة ممارسة إبداعية تُذكر لفنون أخرى غيره في تلك الفترة المبكرة. ليس الفنون البصرية والمرئية الأدائية فحسب، بل حتى النثر لا يسترعي الانتباه إلا عبوراً أمام ما يشبه القداسة للشعر المُعرَّف بالموزون والمقفى وكلُّ خروج على العمود الخليليّ يعتبر مُروقاً وخروجاً على قِيَم السلف الصالح، وتبنياً لما يروجه الغرب والمستعمرون الذين يريدون هدم القيم العربية والإسلامية (كذا). وجرى تقويل ذلك السلف ما لم يقله واستنطاقه ما لم ينص عليه قولاً وفعلاً منذ العلامة الأكبر الخليل بن أحمد الفراهيدي الذي ارتُكِبت الكثيرُ من الجنايات باسمه وهو بريء منها وأكثر علواً معرفياً وعمقَ رؤيةٍ لما كان يكتبه ويؤرخه في حقول الشعر الإيقاعية وفضاء اللغة العربية عامة. الفراهيدي الذي سمى الشاعر الراحل كتاباً بإسمه "شارع الفراهيدي" وهو نص سردي يتوسل أفق الإبداع المفتوح. وساعد على هذا ترويج الأطروحات العدوانية التي تجاوزها الزمن، نفر من الأكاديميين والصحافيين الوافدين، بجانب رؤيتهم الأحادية بالغة الضيق والتخلف كانوا يتوهمون بأن هذا السلوك اللامعرفي والعدائي بعيداً من أي نقاش وسجال، يُرضي مؤسسات السلطة حيث يعملون. وواقع الحال أن السلطة أو الدولة بمؤسساتها المختلفة لم تكن مهتمة بمثل هذه الأمور واتجاهات الشعر، قدامةً وحداثةً، أو لم يكن لها رأي أو قانون حاسم، إلى جانب هذا أو ذاك كانت محايدة وموضوعية في هذا السياق، وكان همها في مكان آخر، عدا ذلك التوهم الذي يسكن رؤوس أصحابه مدّعي المعرفة واحتكار الحقيقة وهم على نقيضها تماماً. وكانوا يتملقون ذائقة مجتمع تجاوزها الزمن والتقدم. من هنا كانت الصحافة الصادرة يومياً أو أسبوعياً هي الوسيلة لبث الدعاوى والإشاعات ولا أقول الآراء والاختلافات. فكان على القلة العمانية أن تقتحم عرين هذه الصحافة مهما كان تواضعها فهي الوسيلة التي تصل إلى القراء أو بعضهم. لم تكن هناك وسائل أخرى. في هذا السياق أيضا يأتي دور مبارك العامري في إمساكه بمنابر ما كان لها نصيب من ثقافة وشعر، لكنه برؤيته ودأبه حوَّلَها أو جزء منها إلى منبر ثقافي يعكس الحساسيات الشعرية الجديدة. أذكر على سبيل المثال مجلة (العقيدة) وفيما بعد (الشرطة) إلى جانب كتاباته المتفرقة في الصحافة اليومية. كأنما يمضي على خطى أسلافه الحداثيين الكبار مثل جبرا ابراهيم جبرا وعبدالرحمن منيف حين حول مجلة (النفط) في العراق إلى منبر ثقافي طليعي يعكس التعددية الثقافية الخصيبة التي تمور بها أرض الرافدين المعطاءة على مر الزمن، وكذلك محمد الماغوط حين حول مجلة (الشرطة) في دمشق إلى الصعيد نفسه فكانت ملاذاً لأقلام ناشئة ومتحققة من اتجاهات مختلفة شعراً وبح